إن طريق الإسلام ليس اختياراً بين باطلين، ولا انحيازاً لأحد الأطراف المتصارعة على مصالحها، بل هو طريق مستقل واضح صلب سلكه رسول الله ﷺ فلم يساوم قريشاً، ولم يخضع لقوة كسرى، بل ثبت على أمر الله حتى جاءه النصر، قال تعالى: ﴿وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾. فالنجاة ليست في الذوبان، ولا في التلون، ولا في مجاراة الواقع الفاسد، بل في الثبات على الحق، والعمل لإصلاح ما أفسده الناس.
أيها المسلمون: أنتم لستم قلةً مهزومة، بل أنتم امتداد لأولئك الذين حملوا هذا الدين يوم كان غريباً، فصبروا وثبتوا، فنصرهم الله ومكّن لهم، أنتم الذين تصلحون إذا فسد الناس، وتثبتون إذا اضطربت الموازين، وتحملون الحق وإن ثقل. فلا تغتروا بالكثرة، ولا يرهبنكم الضجيج، ولا تنخدعوا بزخرف الباطل، فإن العاقبة للمتقين، قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ...﴾؛ وعدٌ لا يتخلف، لكن له طريقه؛ إيمانٌ صادق، وعملٌ مخلص، وثباتٌ لا يتزعزع.
فاثبتوا، فإن الغربة مرحلة، وليست نهاية، واصبروا، فإن الفجر يولد من رحم الظلام، واحملوا هذا الدين كما حُمل أول مرة، نقياً صافياً، لا تشوبه شائبة، ولا تحكمه أهواء. فاليوم غربة، وغداً تمكين بإذن الله؛ ﴿لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾.