إن نظرية استقرار الهيمنة في العلاقات الدولية هي نظرية متجذرة في حقول العلوم السياسية والاقتصاد والتاريخ. تصور هذه النظرية أن النظام الدولي يميل إلى الاستقرار، عندما تكون دولة معينة هي القوة العالمية المهيمنة. وقد كان تشارلز بي هو أول من طرح هذه النظرية في كتابه "العالم في كساد" (1929-1939م). وفي عام 2004م، كتب عالما السياسة البارزان جيمس فيرون، وديفيد ليتين: "الولايات المتحدة الآن تتحرك نحو شكل من الحكم العالمي"، وقد خلصا إلى أنه يجب إعادة الاتفاقيات ذات الصلة التي تم تجاهلها، نحو اعتماد شكل جديد من الوصاية. وكتب ستيفن كرازنر: "إذا تركنا الدول المنهارة ذات الحكومات السيئة على هواها، فلن تستطيع إصلاح نفسها لأن قدرتها الإدارية محدودة".
أما على الصعيد السياسي، وبعد الحرب على العراق، رأى بوش تفوق الولايات المتحدة، فأعلن عن النظام العالمي الجديد في خطابه الشهير أمام الكونغرس، والذي أظهر ملامح الهيمنة الأمريكية على الساحة الدولية. كما يؤرخ البعض لسياسة الهيمنة بإعلان الرئيس ريغان عن مبادرة الدفاع الاستراتيجي، المعروفة بحرب النجوم.
وفي أواخر التسعينات من القرن الماضي ظهر ما سُمي بمشروع القرن الأمريكي الجديد، والذي ينص على أن "القوة الأمريكية، إذا ما استُخدمت على النحو الصحيح، قادرة على إعادة تشكيل النظام الدولي على غرار الديمقراطية". وقد استند إليه بوش الابن في سياسته الخارجية حيث خلص إلى قوله الشهير: "إن كل من ليس معنا فهو ضدنا"، وذلك بعد أحداث 11 أيلول/سبتمبر 2001.
ومع وصول ترامب إلى الرئاسة، وضع النقاط على الحروف لتتضح الرؤية الكاملة لسياسة الهيمنة وذلك في تصريح أدلى به خلال مؤتمر صحفي، هدد فيه باستخدام القوة العسكرية لضم قناة بنما، وجزيرة غرينلاند، وتغيير اسم خليج المكسيك، واستخدام القوة الاقتصادية ضد كندا، وتحويل الشرق الأوسط إلى جحيم.
هذا، وقد شرح وزير خارجية أمريكا، ماركو روبيو، خلال جلسة تثبيته في مجلس الشيوخ، وبوضوح لافت، كيف تبرأ ترامب من العالم الذي صنعه أسلافه، وقال: "إن النظام العالمي لما بعد الحرب ليس متقادماً فحسب، بل أصبح اليوم سلاحاً يُستخدم ضدنا". وقال إن النظام الدولي القائم على القواعد قد بُني على افتراض زائف، وبالتالي كان لا بد من التخلي عنه.
وعلى هذا النحو، سار رئيس ألمانيا، ورئيس وزراء فرنسا، ورئيس كندا، بالتأكيد أن ترامب يعمل على تدمير النظام الدولي، بل يكاد يجمع السياسيون والمحللون على ميلان النظام الدولي الجديد القائم على الهيمنة المطلقة لأمريكا.
ولم ينتظر ترامب طويلاً حتى باشر أعمال الهيمنة بكل وجوهها. فعلى الصعيد الاقتصادي سلب تريليونات الدولارات من دول الخليج، وفرض الرسوم الجمركية على الجميع بمن فيهم حلفاؤه، وطالب بالحصول على المعادن النادرة من أوكرانيا وتايوان وغيرهما. أما على الصعيد السياسي فقد انسحب من عشرات المنظمات الدولية، ومنها منظمات تابعة للأمم المتحدة، كما أعلن عن قيام مجلس السلام، في محاولة للالتفاف على هيئة الأمم المتحدة. وفي تدخل سافر اعترض على تسمية نوري المالكي رئيساً للوزراء في العراق، وأعلن صراحة أنه هو من عين رئيس سوريا أحمد الشرع.
أما على الصعيد العسكري، فقد شارك في تدمير قطاع غزة في محاولة لإخماد شعلة الجهاد، التي ظلت متقدة منذ عام 1948. وفي سابقة تاريخية، اختطف رئيس فنزويلا من مخدعه، وأعلن أنه سيأخذ غرينلاند ولو بالقوة، وهدد بغزو كولومبيا والمكسيك. ثم ما لبث أن عاد إلى الشرق الأوسط، لضرب إيران في مسعى لتحجيمها. وإن كان هذا هو الهدف المباشر من ضرب إيران، فإن المقاربة مع نظرية الهيمنة تجعل الشرق الأوسط بأكمله هو المقصد، وذلك استناداً إلى مقولة برنارد لويس "عراب نظرية إعادة تقسيم دول الشرق الأوسط ليسهل السيطرة عليها"، حيث قال: "من يريد أن يسيطر على العالم عليه أن يسيطر على الشرق الأوسط". فالشرق الأوسط يمثل قلب العالم جيوسياسياً، كما يمثل القلب النابض للأمة الإسلامية عقدياً، إذ تنتظمه عقيدة راسخة في الأرض وفرعها في السماء، ما جعلها مصدر خوف وقلق لساسة الغرب. فقد كثرت البحوث والدراسات والتصريحات التي تعبر عن ذلك. نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر، ما قاله توني بلير، رئيس وزراء بريطانيا الأسبق، خلال مؤتمر في مركز الأبحاث البريطاني: "الإسلام السياسي، سواء أكان من ناحية العقيدة أم العنف، هو تهديد أمني من الدرجة الأولى. وإذا لم تتم السيطرة عليه، فسوف يأتي إلينا".
كما يقول المحلل الأمريكي ستيفن: "إن أفضل وسيلة لتحقيق المصالح الأمريكية في الشرق الأوسط تتم عبر تقسيم المنطقة إلى دويلات مشتتة لها علاقات أمنية وثيقة ومصالح مع واشنطن". وقال بومبيو، وزير خارجية أمريكا السابق: "إن أخطر ما نواجهه اليوم هو أولئك الذين يؤمنون بالإسلام كطريقة عيش ومنهج حياة". وقال جورج بوش الابن: "إن هدف المسلمين هو إقامة دولة واحدة، وسوف تستقطب هذه الجموع ما يمكنهم من الإطاحة بجميع الأنظمة في المنطقة وإقامة إمبراطورية أصولية إسلامية من إسبانيا إلى إندونيسيا".
لقد أدرك الغرب، قديماً وحديثاً، خطر وحدة الأمة، فعمل على تمزيقها وتشتيتها إلى دويلات، وما زال يزرع بذور الفتنة بينها. مع أن الله سبحانه وتعالى حثنا على الوحدة حيث قال تعالى: ﴿إِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾. ونَهانا عن الفرقة والشتات كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾.
والوحدة السياسية ليست مجرد خيار بل هي فرض كما قال رسول الله ﷺ في الحديث الذي رواه مسلم: «إِذَا بُويِعَ لِخَلِيفَتَيْنِ فَاقْتُلُوا الآخَرَ مِنْهُمَا».
فهلا بايعنا إماماً ندفع به هذه الهيمنة الأمريكية؟ «إِنَّمَا الْإِمَامُ جُنَّةٌ، يُقَاتَلُ مِنْ وَرَائِهِ وَيُتَّقَى بِهِ» حديث صحيح، رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه.