هذه حرب مقدسة، فهم يؤمنون أن الله يؤيدهم فيها للقضاء على (الكافرين)، تمهيداً ليوم القيامة، الذي لا بد أن تسبقه معركة هرمجدون. هكذا تحدث قادة عسكريون إلى جنودهم في ثكنات عسكرية حشدوا فيها، وتليت عليهم آيات مما يسمونه بالكتاب المقدس. وقد تكررت هذه الوقائع في أكثر من خمسين ثكنة عسكرية في أمريكا، حيث أشاروا إلى أن هذه الحرب خطة من الله وتحقيق لنبوءات سفر الرؤيا، وأن ترامب مختار من يسوع ليقود هذه المعركة المقدسة. وفيما وثقته مؤسسة الحرية الدينية العسكرية الأمريكية، وجدت عشرات الشهادات لجنود وضباط يشتكون من الخطابات الدينية المتطرفة في وحداتهم.
إن هذا التوجه ليس توجهاً معزولاً، ولا حكراً على فئة ضيقة أو أشخاص مغمورين، بل يتشكل على نطاق واسع وفي فئات متعددة من المجتمع في أمريكا. فقد رفعت دعوى ضد وزارة العمل الأمريكية، حيث تستضيف الوزيرة لوري تشافيز تجمعات صلاة شهرية مستوحاة من هيغسيث. وكذلك قال السياسي الأمريكي، عضو الكونغرس ليندسي غراهام، قبل ضرب إيران بأيام: "نحن على أبواب تغيير الشرق الأوسط كله لألف عام"، ويعني بذلك عودة المسيح بعد معركة القيامة.
وفي مقابلة أجراها الإعلامي الأمريكي المحافظ تاكر كارلسون، وبُثت يوم الجمعة 20 شباط/فبراير، قال سفير أمريكا في كيان يهود مايك هاكابي، إن ليهود "حقاً توراتياً" في أرض تمتد من النيل إلى الفرات، مضيفاً رداً على سؤال حول "صك الملكية الأصلي" في سفر التكوين بالعهد القديم: "لا بأس لو أخذوا كل ذلك".
كما يُستحضر تأثير سلسلة الروايات الشهيرة "المتروكون Left Behind"، التي بيع منها أكثر من 65 مليون نسخة، في تشكيل المخيال الإنجيلي الأمريكي حول كيان يهود والحرب ونهاية العالم.
وفي استطلاع أجراه مركز بيو للأبحاث في تشرين الثاني/نوفمبر 2022، أظهر أن 39% من البالغين الأمريكيين يعتقدون أن البشرية تعيش في نهاية الزمان، وترتفع النسبة إلى 63% بين البروتستانت الإنجيليين البيض. (الجزيرة، 4/3/2026). وبحسب رويترز في 11/03/2026، زاد النائب الجمهوري الأمريكي آندي أوجلز من حدة تعليقاته، حيث قال: "لا مكان للمسلمين في المجتمع الأمريكي".
كما أدلى نتنياهو بتصريح مساء السبت 14/03/2026م، حيث قال في مؤتمر صحفي: "أعتقد أننا جميعاً ندرك أننا سنصل في نهاية المطاف إلى الملكوت، وسوف نصل إلى مرحلة تهيئة عودة المسيح، ونستطيع ضمان مستقبلنا بفضل هذه القوة الهائلة، الروحية والجسدية معاً"، مبيناً أن المواجهة الجارية هي "حرب القيامة التي ستؤدي إلى إعادة رسم ملامح الشرق الأوسط".
إن الذي يقود هذه الحملة على الإسلام ليس كاتباً صحفياً، ولا مفكراً استراتيجياً، ولا سياسياً مغموراً، وإنما هو وزير الحرب الأمريكي، الذي امتلأ جسده بالأوشام التي تحمل شعارات الحروب الصليبية، والذي ألّف كتباً تفوح منها رائحة الكراهية للإسلام والمسلمين. نأخذ منها ومن تصريحاته بعض المقتطفات التي تجسّد لنا هذه العداوة.
يصف هيغسيث الإسلام حرفياً بأنه "ليس دين سلام، ولم يكن كذلك قط"، وذلك في كتابه "الصليبية الجديدة". وفي كتابه "الحملة الصليبية الأمريكية"، اعتبر أن أمريكا تعيش لحظة صليبية تشبه الحروب الدينية في القرن الحادي عشر، محذراً مما وصفه بخطر "الإسلاميين" الذين يسعون لإعادة تشكيل المجتمعات والحكومات على أساس ديني. وفي مقطع آخر من الكتاب نفسه، عبّر هيغسيث عن موقف متشدد تجاه الإسلام، قائلاً: "كلما استمر الأمريكيون في العيش تحت وهم أن الإسلام دين سلام، خصوصاً مع التغيرات الديموغرافية في أوروبا والولايات المتحدة، أصبحت مهمتنا أصعب". وفي تصريح له قال: "الأنظمة المؤمنة بأوهام نبوية إسلامية لا يمكن أن تمتلك أسلحة نووية". وفي مؤتمر صحفي يوم 20/03/2026 صرّح قائلا: "إن أمريكا حالياً تحارب العدو الإسلامي، سواء كان من السنة أو الشيعة"... وهذا غيض من فيض.
والرئيس ترامب نفسه ليس بمنأى عن هذا التوجه، فهو الذي عيّن وزير حرب ذي توجهات عدائية متطرفة تجاه الإسلام، ومشهورة على نطاق واسع، فقد سبق لترامب أن صرّح "أن الإسلام يكرهنا".
إن معركة هرمجدون، أو حرب القيامة، هي - في معتقدهم - حرب ستقع ضد اليهود، والتي سيُقتل فيها (الكفار) - وهم نحن بالطبع - ويُهدم فيها المسجد الأقصى، ويُبنى الهيكل على أنقاضه، تمهيداً لعودة المسيح ليحكم العالم بالعدل المطلق لمدة ألف عام. وبالرغم من وجود أصوات داخل أمريكا وخارجها تعارض هذا التوجه، بل إن البعض يعارض الحرب نفسها باعتبارها مخالفة للقانون الدولي، إلا أن ذلك لم يغير شيئاً، فالحرب ما زالت مستعرة، والتهديد الوجودي مستمر.
نعم، إن لهذه الحرب أهدافها السياسية ببُعديها الدولي والإقليمي؛ فقد أريد لها تحطيم قوة إيران وإخضاعها بالكامل لنفوذ أمريكا، ما يعزز نفوذها في الشرق الأوسط، وبذلك تستطيع السيطرة على نفط المنطقة، ما يساعدها في تنفيذ مخطط السيطرة على العالم. كما يراد كذلك تمكين كيان يهود من الهيمنة في المنطقة بوصفه شرطي أمريكا. وهذا في حد ذاته يعد خطراً استعمارياً يستدعي الوقوف في وجهه. ولكن ما هو غير معهود أن تُرفع راية اللاهوت لتبرز كأحد عناوين الحرب، التي وصفتها بعض التحليلات بأنها حرب صليبية.
إن هذا الوجه العدائي السافر للإسلام، الذي اتسمت به هذه الحرب، رفع الإحساس باستهداف العقيدة لدى المسلمين، ما استوجب الاصطفاف للدفاع عنها. وإن الاختباء خلف هؤلاء الحكام لا يردّ غازياً، ولا يُبرئ ذمة.
فلذلك كان على القادة العسكريين وخاصة الذين هم في المنطقة ومن حولها، بوصفهم خط الدفاع الأول عن هذه الأمة وعقيدتها، عليهم أن يضطلعوا بواجبهم في أخذ زمام المبادرة، وذلك بأن يستبدلوا بهذه الأنظمة نظاما يجمع شتات الأمة ويوحد جهودها، ويسخّر كل مقدراتها للدفاع عن عقيدتها ومقدساتها، وتُبطَل به عقيدة هرمجدون، ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾.






















رأيك في الموضوع