يلاحظ على الإدارة الأمريكية أنها عندما تفشل في أسلوب أو تعجز عن تحقيق هدف أو ترى خسائره أكثر من أرباحه فإنها سرعان ما تبدله.
فعندما عجزت عن إسقاط النظام أو إخضاعه وجعله تابعا لها بقيامها بقتل الصف الأول والثاني من القيادات في إيران، وقد واصلت عدوانها 40 يوما، أعلنت وقفه لأسبوعين، ومن ثم إلى مدة غير محددة، واتجهت نحو المفاوضات لعقد اتفاق معها حيث ادّعى ترامب أنه قد غيّر النظام فيها.
وعندما رأى أنه لم يحدث تغيير يذكر في موقف القائمين على النظام هناك، اتجه نحو حصار الموانئ الإيرانية. ولكن ذلك لم يحقق النتائج بأن تستسلم إيران له، والتي أصبحت تهيمن على مضيق هرمز. فباتت مئات السفن العملاقة عالقة في الخليج.
ولم يطلب من أحد المساعدة عندما بدأ العدوان، لأنه مصاب بالغرور بأنه قادر على أن يقلب الأرض عاليها سافلها ويشعل السماء نارا. ولكنه رأى أنه عاجز أمام بلد لا يملك عشر معشار الأسلحة التي يملكها. فأطلق إشارات الاستغاثة لمساعدته للسيطرة على المضيق، فلم يستجب له حلفاؤه الغربيون.
فلجأ إلى أسلوب آخر فأعلن يوم 4/5/2026 القيام بعملية باسم "مشروع الحرية" بذريعة مساعدة سفن الدول التي وصفها بالمحايدة العالقة في مضيق هرمز والتي لا علاقة لها بأزمة الشرق الأوسط من أجل عبور المضيق.
وعندما لم ينجح أوقف المشروع، فأعلن فجر يوم 6/5/2026 تعليق عمليته فقال (بناء على طلب باكستان ودول أخرى، ونظرا للنجاحات العسكرية الهائلة التي حققناها في العملية التي ننفذها ضد إيران، كذلك لإحراز تقدم كبير نحو التوصل إلى اتفاق كامل ونهائي مع ممثلي إيران، قررنا بشكل متبادل تعليق مشروع الحرية لفترة وجيزة، مع بقاء الحصار قائما بالكامل، وذلك لمعرفة ما إذا كان بالإمكان التوصل إلى اتفاق نهائي مع إيران). وادّعى في مساء اليوم نفسه (أجرينا محادثات جيدة للغاية بشأن إيران على مدار الـ24 ساعة الماضية ومن الوارد جدا أن نتوصل إلى اتفاق. وإن إيران وافقت على التخلي عن امتلاك سلاح نووي).
وعندما لم يتحقق شيء من ادّعاءاته، وإيران لم ترد على مقترحه المكون من 9 نقاط، وقد وضعت مقترحا من 14 بندا، لجأ إلى الدخول في اشتباكات بحرية معها. وقال إنها ليست رجوعا للحرب، لئلا يظهر أنه استأنف القتال، لأنه إذا كان ذلك استئنافا للقتال ولم يحقق شيئا فسيكون قد فشل مرة ثانية، وكذلك يجب أن يطلب من الكونغرس موافقة على الحرب. ويظهر أنه سيستعمل هذا الأسلوب؛ يضرب ويتوقف.
وأعلن وزير خارجيته روبيو يوم 5/5/2026 أن (أمريكا أنهت عملياتها الهجومية على إيران، وأصبحت الآن في مرحلة دفاعية، وأن عملية الغضب الملحمي انتهت، كما أبلغ الرئيس ترامب الكونغرس. أنهينا هذه المرحلة منها، وأطلقنا عملية مشروع الحرية). وقال (البحارة في الخليج معزولون، ويتضورون جوعا، وعرضة للخطر، ولقي ما لا يقل عن 10 بحارة حتفهم نتيجة لذلك، وهم بحارة مدنيون). ودعا إيران إلى طاولة المفاوضات وقبول الشروط الأمريكية وأشار إلى أن المبعوثين الأمريكيين ويتكوف وكوشنر يواصلان التوصل إلى حل دبلوماسي، وذكر أن (الحل يجب أن يتعامل مع أي مواد نووية ما زالت إيران تحتفظ بها ومدفونة في مكان عميق ما).
وقد أبلغ ترامب رئاستي مجلسي النواب والشيوخ في الكونغرس الأمريكي يوم 1/5/2026 أن الأعمال الهجومية في إيران قد انتهت، بعد ضغوط مارسها الكونغرس لدفعه إلى طلب تفويض للمضي قدما في الحرب التي دخلت شهرها الثالث. وأكد امتثاله لقانون ينص على ضرورة حصول الرئيس على تفويض من السلطة التشريعية في حال نشر قوات لأكثر من 60 يوما.
وعندما لم ترد إيران عليه، ولم تقبل باستئناف المفاوضات لعقد اتفاق حتى الآن، عاد يهدد ويعلن يوم 9/5/2026 بمشروع أسماه "الحرية بلس" ولم يفسره، ولكن مسؤولين أمريكيين قالوا (إنه يتضمن زيادة الانتشار العسكري الأمريكي في الخليج، وتشديد الحصار البحري على الموانئ الإيرانية، وتعزيز عمليات الرد في مضيق هرمز). وقيل إن "مشروع الحرية" في نسخته السابقة اقتصر على إرسال عدد محدود من السفن الحربية لمرافقة ناقلات النفط التجارية، وقد نشر نحو 15 ألف جندي و100 طائرة. ولم ينجح إلا جزئيا في إنقاذ بعض السفن، لأنه اصطدم بالتهديدات الإيرانية.
ونقل موقع أكسيوس الأمريكي يوم 6/5/2026 عن مصدر باكستاني قوله (إن أمريكا وإيران تقتربان من الاتفاق على مذكرة من صفحة واحدة لإنهاء الحرب. ويشمل الاتفاق التزام إيران بتعليق تخصيب اليورانيوم، وموافقة أمريكا على رفع عقوباتها، والإفراج عن مليارات الدولارات من الأموال الإيرانية المجمدة، ورفع كلا الجانبين للقيود المفروضة على العبور عبر مضيق هرمز).
وهذا يعني أن ترامب مضطر إلى عقد اتفاق مع إيران لأن عودته إلى استئناف القتال يتطلب موافقة الكونغرس وهذا غير مضمون، ولأن استئناف القتال غير مضمون النتائج أيضا، وقد جربه وفشل فيه. وكذلك مشروعه في إنقاذ السفن العالقة في الخليج يتطلب وقتا طويلا لإنجاحه وهو محفوف بالمخاطر. وما يلاحظ على ترامب أنه يريد أن يحقق صفقات رابحة سريعا، فيقيس العمل السياسي على عمله التجاري، وهذا سر مقتله.
إن تبدل الأساليب شيء جيد، إلا أن تبديلها في فترات وجيزة ليس أمرا محمودا، بل يدل على تخبط، وأن دراسة الواقع وما تؤول له الأمور تجري بدون تعمق واستنارة. فهو كالذي يتخبط بدون تخطيط، فيقول لنجرب هذا الأسلوب، فإن لم ينفع، نجرب غيره وهكذا. ومن شأن ذلك أن يفقد الثقة في واضعي الأساليب. لأن الأسلوب يوضع لتنفيذ الهدف بعد دراسة معمقة وليس ارتجاليا. وهذا يدل على أن أمريكا ليست بالقدر الذي يتخوف منه، وإن إلحاق الهزيمة بها ممكن، وذلك سيكون بإذن الله عند قيام الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، وعندما تكون هناك قيادة سياسية مخلصة واعية ذات إرادة فولاذية، كقيادة حزب التحرير.
بينما يقوم حكام باكستان الذين لا يشعرون بقدر قيمة بلدهم وإمكانياته غير المحتاج لأمريكا، بعملية لإنقاذه من مأزقه، حيث يقومون بدور الوسيط وساعي البريد، وهم يتلهفون لخدمة سيدهم ترامب حتى ينقذوه من مأزقه وينفذوا مشاريعه في المنطقة، وذلك بدل أن ينحازوا ضده، ويعلنوا استقلالهم عن أمريكا، والعمل على وحدة المسلمين وبلادهم، وتسليم الحكم لحزب التحرير ليري أمريكا ما أراه الخليفة عمر في فارس والروم.