كشفت حرب أمريكا ويهود الأخيرة على إيران حقيقةً كبرى ظل الغرب - وعلى رأسه أمريكا - يعمل طويلاً على حجبها: أن القوة ليست فيما تملكه الدولة من حاملات طائرات، ولا فيما تخزنه من رؤوس نووية، ولا فيما تبثه من صور الهيبة والسطوة فحسب، بل وفيما تملكه الأمة من مفاتيح التأثير الحقيقي في حياة العالم، وفي شرايين اقتصاده، وفي أمنه الطاقي والغذائي والتجاري.
لقد بدا جلياً أن البلاد الإسلامية لا تقف على هامش التاريخ، ولا تعيش عالة على غيرها، بل تجلس على أحد أعظم أرصدة القوة في هذا العصر: المضائق البحرية التي تمر منها التجارة العالمية، والثروات الهائلة من النفط والغاز والأسمدة، والموقع الجغرافي الذي تتوقف عليه حركة الشرق والغرب، والشعوب التي تملك من الطاقة البشرية والإيمانية ما لو أُحسن توجيهه لبدّل وجه العالم. ومضيق هرمز ليس إلا مثالاً واحدا على ذلك؛ فكم من قوة عظمى ترتجف أسواقها، وتضطرب حساباتها، ويختل أمنها الاقتصادي، لمجرد تهديدٍ في معبر من معابر أمتنا!
إنها لحظة كاشفة: فما يُسمى بالقوة العظمى ظهر أنه هشٌّ أمام أدوات التأثير التي أودعها الله في بلاد المسلمين. وما بدا ثابتاً لعقود أخذ يتصدع أمام حقيقة أن البلاد الإسلامية تملك أوراقاً تفوق في أثرها كثيراً من الأسلحة الفتاكة، لأنها تمس حياة العالم من جذورها. إن حسن استعمال هذه الأوراق، سياسياً واقتصادياً واستراتيجياً، قد يجعلها أقوى من السلاح النووي ذاته، لأنها سلاح يفرض المعادلات قبل أن يفرض الدمار.
فيا أمة الإسلام: افتحي عينيك على ما بين يديك، وارفعي بصرك إلى مقامك الحقيقي، واكسري قيد الوهم الذي صغّرك. إنك لست أمةً مستضعفة، بل أمةٌ مُعطّلة. وإن موازين القوى لا تُقلب بالعدد المجرد، بل بإدراك عناصر القوة، وحسن امتلاكها، والجرأة على توظيفها. وحين تنهض الأمة بوعيها، تعرف الدنيا كلها أن زمن الاستعلاء الأمريكي ليس قدراً محتماً، وأن فجراً جديداً يمكن أن يولد من أرض الإسلام. (مجلة الوعي العدد 477).