من يراقب مسيرة الدول المعاصرة بعين الخبير بأسباب النهضة والأفول، يدرك تماماً المرحلة الحرجة التي تمر بها أمريكا، فهي منذ عقود بدأت مسيرة الهبوط رغم تفردها بالقمة، إذ بقاؤها في القمة سببه عدم تقدم منافس قوي بما يكفي لإزاحتها، وليس لأنها ما زالت تصعد في سلم الهيمنة والقيادة الحضارية والمادية.
أما أسباب هبوطها فيرجع لتزاحم أزماتها وفشلها الذريع في معالجتها مع تخبط متزايد في المعالجات التي ترتجلها ثم السعي لترميم ما أفسدته تلك المعالجات الارتجالية، ولأن الساحة لا تحتمل الفراغ، فإن ما يزيد التحدي أمام هذه الدولة المتوحشة هو أن خصومها حول العالم يتلمسون الطريق لإسقاطها والتخلص من هيمنتها.
أما الأزمات فقد تكلم فيها كثير من المراقبين، ويمكن الإشارة إلى أبرزها:
أزمة مبدأ وقيم حضارية:
فقد كانت أمريكا تقدم نفسها على أنها الدولة الراعية للديمقراطية وحقوق الإنسان حول العالم، ومحاربة الديكتاتوريات والاستبداد والرجعية، وأنها قائد الاقتصاد الرأسمالي الحر الذي يتيح للجميع فرصة الاستثمار والمنافسة والازدهار الاقتصادي، ولكن هذه الكذبة انهارت سريعاً أمام واقع المبدأ الرأسمالي الاستعماري الجشع، الذي يقدم المنفعة المادية للأغنياء على كل القيم والحقوق المزعومة، فكانت النتيجة الحتمية هي ظهور وحشية الدول الغربية وعلى رأسها أمريكا في تعاملها مع شعوب العالم بالقمع والنهب والاستعمار، كما تحول الوعي على هذه الكذبة إلى الشارع الغربي نفسه الذي طاله من النهب والقمع والاستبداد، ما جعله يفقد الثقة بالمبدأ الرأسمالي ويمر بمرحلة حيرة وبحث عن بديل.
أزمة مالية واقتصادية:
لا شك أن الفقاعة المالية الضخمة التي صنعتها السياسة الأمريكية من خلال الاقتصاد الوهمي الربوي وطباعة الدولارات بدون غطاء من الذهب أو السلع الحقيقية، مع إنفاق مفرط واقتراض غير محدود، جعل كبار الخبراء في الاقتصاد يحذرون من انفجار وشيك لتلك الفقاعة وانهيار تاريخي للاقتصاد الأمريكي يجعل الكساد الكبير في القرن الماضي مجرد حادث صغير أمامه، فلم تعد أمريكا قادرة على وقف التضخم المالي والجمود الاقتصادي إلا بمحاولات فاشلة من رفع أو خفض قيمة الربا على سندات الخزينة، أو نهب مليارات من الشعوب الأخرى، وتحريك صناعة السلاح بحرب هنا وهناك، وهذه في الحقيقة ليست حلاً جذرياً بقدر ما هي هروب إلى مشاكل جديدة تزيد الأزمات السابقة سوءاً، ولذلك من المتوقع أن ينهار الاقتصاد الأمريكي فجأة ويجد الشعب الأمريكي نفسه مفلساً أو شبه مفلس بعد أن يسقط الوهم الذي كان يعيشه في الأرقام المكدسة بدفاتر البنوك وجداول البورصات.
أزمة سياسية داخلية وخارجية:
تشهد أمريكا اليوم انقساماً داخلياً حاداً بين مكوناتها مع تصاعد الخلافات السياسية في ملفات كثيرة، منها العنصرية البيضاء التي ترى أن أمريكا مهددة وجودياً بالمهاجرين الملونين من أنحاء العالم، ومنها أزمة الخلاف على الحريات الليبرالية والجندر والشذوذ وتغيير الجنس ونحوها، إضافة للأزمة الجديدة المتمثلة بالخلاف الحاد على دعم كيان يهود في وحشيته، وأزمة الرغبة المتصاعدة لدى الولايات الغنية في الاستقلال عن الاتحاد الفيدرالي، والخلاف في كيفية إدارة البلاد ومستقبل الأجيال القادمة، كل ذلك ينذر بحرب أهلية قريبة، وفي أحسن الأحوال ثورات واضطرابات تضعضع الساحة الداخلية.
أما على صعيد السياسة الخارجية، فلم تُبق الإدارة الحالية لها حليفاً حول العالم بعد أن تعمدت التعامل مع الجميع بفوقية وصلف غير مسبوق في تاريخها، حتى باتت تهدد بغزو دول صديقة واحتلال وضم أراضيها بالقوة والمجاهرة بالرغبة في سيطرتها على النفط والغاز والطاقة والتحكم بها عالمياً للضغط على من لا يلبي رغباتها غير المعقولة وغير المتوقعة، حتى باتت دولة مكروهة، وباتت جميع الدول تبحث عن بديل للتعاون والتحالف معها بعد أن فقدت الثقة بهذا الكيان المتعجرف المتقلب.
أزمة فشل في تحجيم الخصوم والمنافسين:
فقد فشلت أمريكا فشلاً ذريعاً في إيقاف تقدم الصين الصناعي والعلمي والاقتصادي والعسكري والسياسي، وباتت الصين متقدمة فعلاً في مجالات عدة، ولو قررت الصين إسقاطها عن مركز الدولة الأولى فإنها قادرة على فعل ذلك اليوم وتزداد قدرة عليه يوماً بعد يوم، كما أن أمريكا فشلت في كسر روسيا رغم الفخ الأوكراني الذي قد ينقلب ضدها وضد أوروبا قريباً، وبدأت كذلك تخسر ولاء بعض الأنظمة القائمة في بلاد المسلمين بعد أن كانت تنفذ إرادتها وتحقق مصالحها فيها.
ومن أهم ما فشلت فيه أمريكا هو القضاء على المشروع الإسلامي، وما يعرف "بالإسلام السياسي"، رغم الضربات التي لم تتوقف ضده على جميع الصعد، خاصة مع تنامي الوعي عند الشعوب بعداء أمريكا والغرب، وعلى ضرورة الوحدة الإسلامية والعودة لحكم الشريعة وللدولة الإسلامية الجامعة (الخلافة)، ومع تنامي قوة العاملين لهذا المشروع وانتشار الفكرة بين العاملين في الحقل الإسلامي، ما يبشر بصعود مفاجئ للعدو الأخطر على أمريكا وعلى الحضارة الغربية برمتها.
أزمة الحرب في الشرق الأوسط:
وأخيراً وليس آخراً، فقد تورطت أمريكا في معركة مع إيران وأذرعها في المنطقة، وباتت هيبتها وصورة قوتها الرادعة في الوحل، حيث فشلت في إسقاط النظام من الداخل، وخسرت تعاطف معارضيه الذين جمعوا مع معارضتهم لنظامهم عداءهم لأمريكا وكيان يهود الذين يقتلون ويخربون ويهدمون البلاد مع إعلانهم الصريح بالسعي لإعادة إيران للعصر الحجري، وفشلت أمريكا في دفع المقاتلين إلى الاستسلام الذي توهم ترامب أنه سيحققه في الأيام الأولى، حيث رفض الحرس الثوري الإيراني إيقاف الحرب وفتح مضيق هرمز إلا بشروط مذلة لأمريكا، وبات الاستمرار في الحرب يعني مزيداً من استنزاف الصواريخ المضادة للصواريخ، ومزيداً من الدمار لقواعد أمريكا في المنطقة، ومزيداً من التدمير للبنية التحتية في كيان يهود، ومزيداً من استنزاف جيشه في جنوب لبنان، وفي حال قرر ترامب القيام بعملية برية فإنه يخاطر بخسائر كبيرة في جنوده، ولم يبق أمامه سوى استعمال أسلحة غير تقليدية لفرض سيناريو يشبه استسلام اليابان بعد هيروشيما وناغازاكي، وهو إجراء قد ينقلب ضده تماماً لأنه يفتح الباب أمام حرب نووية عالمية، كما أن استسلام الحرس الثوري بعدها غير مضمون، بل ربما تشتعل المنطقة كلها ضده وضد ربيبه المدلل.
وباختصار، فإن كل ما تقوم به أمريكا اليوم يعجل بزلزلتها، لتجهز عليها دولة الخلافة الراشدة القائمة قريبا بإذن الله، بالضربة القاضية.
بقلم: الشيخ عدنان مزيان
* عضو المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير