أعلنت وكالة فارس يوم 2/5/2026 أن إيران قدمت عبر الباكستان مقترحا مكونا من 14 بندا ردا على مقترح أمريكي مكون من 9 بنود، وأن مقترح إيران تضمن خطوطها الحمراء ونص على خارطة طريق محددة لإنهاء الحرب. وذكرت وكالة تسنيم الإيرانية يوم 3/5/2026 أن المقترح الأمريكي تضمن وقف إطلاق النار لمدة شهرين، بينما المقترح الإيراني شدد على حسم الملفات خلال 30 يوما، وركز على إنهاء الحرب بشكل شامل ونهائي، وضمان عدم وقوع عدوان عسكري، وسحب القوات الأمريكية من محيط إيران، ورفع الحصار البحري، والإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة، ودفع التعويضات، وإنهاء الحرب في كافة الجبهات بما فيها لبنان، ووضع آلية جديدة لمضيق هرمز.
وسبق أن قدمت إيران مقترحا من 10 بنود نقلته وكالة تسنيم يوم 8/4/2026 وهي: التزام أمريكا المبدئي بتقديم ضمانات بعدم الاعتداء، واستمرار السيطرة الإيرانية على مضيق هرمز، والقبول بحق إيران في تخصيب اليورانيوم، ورفع كافة العقوبات الأولية، ورفع كافة العقوبات الثانوية، وإنهاء العمل بقرارات مجلس الأمن ذات الصلة، وإنهاء قرارات مجلس المحافظين التابع للوكالة الدولية الذرية، ودفع التعويضات لإيران عن الأضرار التي لحقت بها بسبب الحرب، وخروج القوات القتالية الأمريكية من المنطقة، ووقف الحرب في كافة الجبهات بما فيها لبنان. وذكرت الوكالة أن "ترامب قبل بالشروط الإيرانية كقاعدة انطلاق للمفاوضات المقبلة".
فهناك تغييرات في البنود في المقترحين: فقد كان مطلب إيران "استمرار السيطرة الإيرانية على مضيق هرمز" فتغير إلى "وضع آلية جديدة لمضيق هرمز". فيرى منها تنازل.
ونص المقترح الأول على "القبول بحق إيران في تخصيب اليورانيوم" ولكن في المقترح الثاني لم ينشر شيء حول هذا البند! ويظهر أن هناك تغييرا قد حصل، وتقصد عدم ذكره، وهو الموضوع الرئيسي الذي يجري التفاوض عليه، فمن الضروري معرفة التغيرات فيه، حتى يدرك مدى التنازل فيه.
وتضمن المقترح السابق "خروج القوات القتالية الأمريكية من المنطقة". بينما الأخير تضمن "سحب القوات الأمريكية من محيط إيران". أي خروج القوات الأمريكية فقط من محيط إيران وليس من المنطقة كلها. فهنا يلاحظ وجود تنازل.
وكذلك لم يعرف مصير البندين "إنهاء العمل بقرارات مجلس الأمن ذات الصلة"، و"إنهاء قرارات مجلس المحافظين التابع للوكالة الدولية الذرية". علما أن تحقق هذين البندين ليس سهلا، لأن فيهما أطرافا أخرى كبريطانيا وفرنسا اللتين لهما مواقف مختلفة من إيران ومن أمريكا التي لا تريد أن تشركهما في موضوع إيران، ولا تريد منهما ومن باقي الدول الأوروبية إلا أن تكون خادمة لها مثلما طلبت منها التحرك ضد إيران لفتح مضيق هرمز بالقوة. لأن هدف أمريكا عزل الأطراف الأخرى التي شاركت في اتفاق البرنامج النووي الإيراني عام 2015، والتفرد في إيران وعقد اتفاق ثنائي معها، وذلك منذ أن أعلنت انسحابها منه على عهد رئيسها ترامب في ولايته الأولى عام 2018.
ويظهر أن إيران قد تنازلت عن هذين المطلبين أو جرى عليهما تعديل. وأمريكا ستبقي وكالة الطاقة الدولية الذرية سلاحا مسلطا على إيران يراقب تحركاتها النووية، حيث قبلت به في اتفاق عام 2015 الذي كان مذلا لإيران ومقيدا لصناعتها النووية محددا نسبة التخصيب بنحو 3,67%، وواضعا إياها تحت الرقابة الدولية. وهو الذي سبب لها كل هذه المشاكل بحيث تدخل فرق التفتيش المفاعلات النووية بشكل مباغت وتنظر فيما يجري وترسل التقارير التي تصل لأمريكا بصورة غير مباشرة عن طريق هذه الوكالة التي لها تأثير عليها. وقد لاحظت أن إيران تعمل على تطوير برنامجها النووي بزيادة عدد أجهزة الطرد المركزي وزيادة نسبة التخصيب.
ويذكر أنه في اللقاء الأول بين الوفدين الأمريكي والإيراني في باكستان يوم 11/4/2026 كاد أن يتحقق توقيع اتفاق إطاري يمتد لنحو 45 يوما تمهيدا لمفاوضات شاملة تستمر من 4 إلى 6 أشهر، إلا أن إيران تتهم أمريكا بالتراجع عن تلك التفاهمات وتطرح مطالب وصفتها بالمفرطة ما أدى إلى تعطل عقد الجولة الثانية التي كانت ستعقد في باكستان يوم 21/4/2026 وكذلك تعطل لقاء الوفدين يوم 25/4/2026 هناك.
نقل موقع أكسيوس الأمريكي يوم 27/4/2026 عن مسؤول أمريكي ومصادر مطلعة أن "إيران قدمت عبر وسطاء باكستانيين مقترحا جديدا يهدف إلى التوصل إلى اتفاق يقضي بإعادة فتح مضيق هرمز وإنهاء الحرب، مع تأجيل المفاوضات المتعلقة بالبرنامج النووي إلى مرحلة لاحقة. ونوقش هذا الطرح خلال زيارة وزير خارجيتها عراقجي إلى باكستان ويركز على معالجة أزمة مضيق هرمز والحصار البحري الأمريكي للموانئ الإيرانية باعتبارهما أولوية". فاعتبره البعض تحولا في استراتيجية إيران التفاوضية تقوده الجهات العليا فيها، يقوم على أولوية إنهاء حالة الحرب مع أمريكا قبل الانتقال إلى بقية الملفات. ومن أهم مطالبها ضمان وقف الحرب بشكل كامل والحصول على ضمانات بعدم عودتها. واعتبر ذلك نقطة مركزية في الطرح الإيراني الجديد.
فإيران تسعى لفصل الملفات والبدء بأزمة مضيق هرمز بينما تصر أمريكا على ربط جميع القضايا بالملف النووي واعتبار تسليم اليورانيوم المدخل الأساسي لأي اتفاق.
يظهر أن إيران تدرك حجمها وقدرتها وواقعها مقابل ضخامة القوة الأمريكية العسكرية وقدراتها الاقتصادية والسياسية العالمية فلا تريد استمرار الحرب معها، بل تريد إنهاءها والمحافظة على وجودها، لأنها دولة خاصة بأرض إيران وشعبها، فتعتبر دولة قومية.
فالدولة القومية تحرص على البقاء في رقعتها وفيمن تحكمهم من الناس. وإذا كانت لديها طموحات أكثر تعمل لأن تكون دولة إقليمية مؤثرة. وإذا رأت أن تحقيق هذه المطامع يكون بالسير في فلك دولة كبرى فلا تتأخر عن ذلك، فتسلك هذه الطريق الخطرة كما سلكتها إيران عندما سارت في فلك أمريكا عقودا ليكون لها نفوذ إقليمي، فعندما تجاوزت الحد وأرادت أمريكا الحد من قوتها وجعلها دولة تابعة شنت عليها هذا العدوان، فبدأت بتقديم تنازلات.
وهذا بعكس الدولة المبدئية التي لا تتنازل وتثبت، لأن التنازل سيكلفها أكثر بكثير من الثبات الذي يكلفها التعرض للضرر والأذى ولكنها في النهاية تنتصر. فالتنازل هو لعب بمصير الكيان، فإما أن يقتله وإما أن يجعله هزيلا لا يقوى على شيء.
والدولة المبدئية ترفض التبعية لدولة كبرى كما ترفض السير في فلك أية دولة كبرى، وتشق طريقها في الصخر حتى تبلغ مركزها الذي يليق بها وتتمكن من حمل مبدئها إلى العالم، ولا يمكن تصور هذا الأمر إلا في دولة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة، القائمة قريبا بإذن الله.