عندما شنت أمريكا عدوانها مع ربيبها كيان يهود على إيران يوم 28/2/2026 حددت مدة الحرب بأربعة أيام. فظنت أنه بمجرد ضرب رأس النظام والقائمين عليه من الصف الأول فإن الصف الثاني سيستسلم ويخضع لشروطها كما فعلت في فنزويلا عندما خطفت رئيسها فاستسلمت نائبته لها. ولكن ذلك لم يحدث، فثبتت إيران وتصدت لهذا العدوان. حتى زادت غطرسة ترامب بقوله إنه سيشارك في تعيين المرشد وإنه لا يريد ابن خامنئي فخاب فأله.
وذكرت صحيفة نيويورك تايمز عن مصادر مطلعة يوم 12/3/2026 أن "ترامب ومستشاروه ظلّوا واثقين من أن قتل القيادة العليا سيؤدي إلى وصول قادة أكثر براغماتية قد يسعون إلى إنهاء الحرب". وأقر بذلك وزير حربه هيغسيث يوم 10/3/2026 قائلا: "لا أستطيع القول إننا توقعنا بالضرورة أن يكون هذا بالضبط رد فعلهم".
وبعد مرور الأيام الأربعة تحدث ترامب عن أسبوعين لحسم المعركة، وربما أربعة أسابيع. فهو يريد إنهاءها قبل أن تتفاقم وتؤثر عليه داخليا خاصة وأن الانتخابات النصفية للكونغرس في الخريف القادم.
إن القياس الشمولي في السياسة خطأ، فلكل دولة ولكل حادثة ظروفها وملابساتها، كما أن تجريد الحدث من ظروفه وملابساته خطأ أيضا.
ولكن الغطرسة والعنجهية أعمت ترامب كما أعمت سلفه الجمهوري بوش الابن عندما هاجم أفغانستان عام 2001 والعراق عام 2003، كما كانت قد أعمت بوش الأب عندما هاجم الصومال عام 1992. فيركنون إلى قوتهم العسكرية وهيمنتهم الاقتصادية وسكوت الآخرين عن عنجهيتهم أو حتى مشاركتهم. ولهذا يقومون بالتفرد بكل بلد من دون أن تتصدى لهم أية دولة كبرى كما كان يحصل أيام الاتحاد السوفيتي، حيث كانت أمريكا تحسب له حسابا وتعمل على التوافق معه منذ عام 1961 حتى عام 1991 عام انهياره حيث تفردت هي في الموقف الدولي.
وها قد دخلت الحرب أسبوعها الثالث فبدأ ترامب يتراجع عن أهدافه أو يدعي أنه قد حققها ويريد أن يوقف الحرب، حيث عددها بأنها منع الإيرانيين من امتلاك السلاح النووي وتطوير صواريخ بعيدة المدى، وقيام الشعب الإيراني للاستيلاء على الحكم.
وبدأت إيران تضرب المنشآت النفطية في دول الخليج ما أثّر على إنتاج النفط، وأغلقت مضيق هرمز الذي تمر منه نحو 20% من مصادر الطاقة العالمية. فوجدت أزمة نفط عالمية حيث قلت الإمدادات وارتفعت الأسعار في داخل أمريكا وعلى نطاق العالم. ولم يفلح إطلاق كميات قياسية من الاحتياطات النفطية الاستراتيجية في كبح جماح أسعار النفط التي استأنفت صعودها مع تصعيد إيران هجماتها على منشآت النفط.
فبدأ ترامب يتخبط في التصريحات، وقال يوم 11/3/2026 "الحرب ستنتهي قريبا.. إنه يكاد لم يبق في إيران أي شيء يمكن استهدافه". وذلك كخطوة نحو وقفها، وأبدى إحباطا متزايدا من تأثير الحرب على إمدادات النفط، فقال: "إن على أطقم ناقلات النفط إظهار بعض الشجاعة والإبحار عبر مضيق هرمز". يطلب منهم أن يخاطروا بحياتهم في سبيل أمريكا ولكن لا أحد منهم يبدي هذه الشجاعة. ويوم 14/3/2026 بدأ يطالب الدول الأخرى بالتدخل لمساعدته وفتح مضيق هرمز. وفضحه السيناتور الديمقراطي كريستوفر مورفي على وسائل التواصل الإلكتروني "إن إدارة ترامب لا تملك أي خطة لمضيق هرمز ولا تعرف كيف تعيد فتحه بأمان". وذلك عقب عرض إدارة ترامب خططها على الكونغرس في جلسة مغلقة.
وفضحته نيويورك تايمز بالقول "بينما كان ترامب يدرس خياراته ومنها شن عدوان عسكري على إيران لإجبارها على توقيع اتفاق حسب شروطه قال وزير الطاقة الأمريكي يوم 18/2/2026 كريس رايت إنه غير قلق من أن تؤدي الحرب الوشيكة إلى تعطيل إمدادات النفط في الشرق الأوسط وإحداث فوضى في أسواق الطاقة". وذلك قياسا على عدوان يهود وأمريكا في حزيران 2025 على إيران أو ما يعرف بحرب الـ12 يوما. وأضاف: "خلال الضربات الإسرائيلية والأمريكية على إيران في حزيران الماضي، كان هناك اضطراب محدود في الأسواق. ارتفعت أسعار النفط قليلا ثم عادت إلى الانخفاض".
واضطر ترامب إلى أن يتصل بنظيره الروسي بوتين لعله يساعده. فذكر مستشار الكرملين يوري أوشاكوف أن "بوتين عرض على ترامب مقترحات لوقف سريع لحرب إيران" وذلك خلال "مكالمة تلفونية بينهما يوم الاثنين 9/3/2026، جاءت بطلب من ترامب واستمرت نحو ساعة". وعقب ذلك أعلن ترامب أنه "أجرى مكالمة تلفونية مع بوتين وكانت إيجابية.. وإن أمريكا قد تذهب إلى تخفيف العقوبات المفروضة على النفط الروسي".
قال مجيد رواتشي نائب وزير خارجية إيران: "إننا نشترط عدم شن مزيد من العدوان لوقف إطلاق النار. وإن دولا عدة بينها الصين وروسيا وفرنسا تواصلت معنا بشأن وقف إطلاق النار".
يظهر أن أمريكا تتجه نحو فتح قناة عبر روسيا أو غيرها للتفاوض مع إيران لوقف الحرب بشكل ينقذها من ورطتها فتظهر كأنها منتصرة. ولكن مثل ذلك ربما لا يظهر، ويكون مصيره كمصير مثيله بوش الابن، وخاصة إذا واصلت إيران ضربها الصواريخ على قواعدها والمنشآت النفطية في المنطقة وفي عمق كيان يهود.
وخاب فأل كيان يهود بأن عدوانه السريع مع أمريكا سيسقط النظام بقتل رأسه وأن المعركة ستحسم سريعا. وتفاجأ برد فعل إيران القوي على عدوانهما، بجانب وقوع أضرار كبيرة جراء الصواريخ الإيرانية.
يظهر أن إيران قادرة على تحرير فلسطين، ولكنها لم تجعل ذلك هدفا لها، وكانت لديها فرصة عندما قام المجاهدون في غزة بمداهمة كيان يهود، وكانت موجودة في سوريا على الجبهة. ولكنها سمعت لرسائل أمريكا بعدم توسيع نطاق الحرب حتى أخرجتها من سوريا وضربت قوة حزبها في لبنان.
لقد ظنت إيران أن دورانها في فلك أمريكا وسماعها لرسائلها سيكون ضمانة لها للحفاظ على كيانها وتعزيزه وبسط نفوذها الإقليمي، والتمكن من صناعة السلاح النووي وتطوير صناعتها الصاروخية. ولكن أمريكا أرادت أن تحد من ذلك وتجعلها دولة تابعة.
إننا لا ننتظر من إيران أن تتخلى عن نظامها الجمهوري المختلط وعن الوطنية الضيقة والعصبية المذهبية، فتعلن الخلافة وتعمل على توحيد البلاد الإسلامية، وتحرر فلسطين وتنصر المسلمين في كل مكان. مع أنها لو فعلت ذلك لما تمكنت أمريكا من إقامة قواعدها في المنطقة ولما بقي كيان يهود قائما، وقد فعل فعلته بغزة وأهلها ينتظرون نصرتها فخذلتهم كغيرها من دول المنطقة، ولما تعرضت هي نفسها لهذا العدوان.
إن هذه الحرب تثبت أن المسلمين عند إقامتهم لدولتهم دولة الخلافة على منهاج النبوة قادرون على دحر أمريكا والقضاء على كيان يهود، فوجب عليهم نصرة العاملين لإقامتها.






















رأيك في الموضوع