اختار "الإطار التنسيقي" مساء الاثنين الموافق 27/4/2026، علي فالح الزيدي رئيسا للحكومة العراقية، بعد سحب ترشيح المالكي الذي قوبل بفيتو أمريكي، وانسحاب السوداني رئيس الحكومة المنتهية ولايتها، لمنع الدخول في فراغ دستوري بسبب الانسداد السياسي الذي وقعت فيه قوى الإطار التنسيقي.
والزيدي هو مرشح تسوية لم يكن اسمه ضمن مرشحي رئيس الوزراء، وهو رجل أعمال ويشغل حاليا منصب رئيس مجلس إدارة الشركة الوطنية القابضة، التي تنشط في قطاعات الزراعة والثروة الحيوانية والإسكان والتطوير العقاري والخدمات المصرفية والمالية، كما شغل منصب رئيس مجلس إدارة مصرف الجنوب الخاضع للعقوبات الأمريكية، فهو لم يشغل أي منصب حكومي أو سياسي.
وقد هنأ رئيس أمريكا ترامب، الزيدي بمناسبة تكليفه رسمياً لتشكيل الحكومة العراقية الجديدة، موجهاً له دعوة رسمية لزيارة واشنطن بعد تشكيل الحكومة، كما بحث الجانبان في اتصال تليفوني العلاقات الاستراتيجية بين العراق وأمريكا وسبل تعزيز التعاون والاستقرار في المنطقة. كما هنأته إيران، وكذلك رحبت بعثة الاتحاد الأوروبي في العراق وإسبانيا بترشيحه، بالإضافة إلى مباركة معظم الأحزاب العراقية.
وهنا لا بد لنا من إلقاء الضوء على المشهد السياسي العراقي بعد هذا الترشيح، فهناك نقاط مهمة لا بد من بيانها:
أولا: مشكلة العراق لم تنته بإعلان رئيس الحكومة، لأن ما بعده أصعب بسبب توزيع الحقائب الوزارية والتناحر بين الكتل السياسية على هذه المناصب، وهو التحدي الذي قد يؤسس لحالة خلافات أو شد وجذب بين الكيانات لا سيما أن التوزيعة الوزارية عادة ما تتنافس عليها الأحزاب للحصول على مكاسب يصفها السياسيون في العراق بـ"استحقاق انتخابي"، وهذه المرحلة سوف تكون أكثر تعقيدا من سابقتها بسبب إعلان أمريكا عدم موافقتها على وجود أي مرشح له ارتباط بإيران أو الفصائل المسلحة الموالية لها.
وأشار مصدر لوكالة شفق نيوز إلى أن "الإطار التنسيقي شكل لجنة خاصة لمراقبة توزيع الحقائب الوزارية وأسماء المرشحين لها، بالتنسيق مع رئيس الوزراء المكلف، منعاً لتحول الخلاف على الوزارات إلى عقدة تعطل ولادة الحكومة".
"وتتزامن هذه التحركات مع نقاشات داخل القوى السياسية بشأن خارطة أولية لتوزيع الحقائب الوزارية، إذ تشير المعلومات المتداولة داخل كواليس التفاوض إلى أن ائتلاف الإعمار والتنمية بزعامة رئيس الوزراء المنتهية ولايته محمد شياع السوداني يتجه للحصول على خمس وزارات بينها وزارة سيادية، فيما سيحصل ائتلاف دولة القانون على وزارة النفط ووزارة خدمية أخرى، مقابل صعود حصة حركة صادقون بزعامة قيس الخزعلي إلى وزارتين ومنصب نائب رئيس الوزراء.
أما ضمن الحصة السنية، فتدور المفاوضات حول حصول حزب تقدم بزعامة الحلبوسي على وزارة التعليم العالي، فيما تطرح وزارة الدفاع ضمن حصة تحالف العزم بزعامة مثنى السامرائي، وفي المقابل يرجح أن تذهب وزارتا الخارجية والعدل إلى الحزب الديمقراطي الكردستاني، فيما يجري تداول وزارتي البيئة والثقافة ضمن حصة الاتحاد الوطني الكردستاني، في إطار تفاهم أوسع يربط المشاركة الكردية في الحكومة الجديدة بتعهدات واضحة بشأن الملفات العالقة مع بغداد".
وهذا الملف يكثر فيه التصارع، وبيع وشراء المناصب، فهو مناخ خصب للفساد والسرقات.
ثانيا: الملف المهم الثاني هو إعادة صياغة العلاقة مع أمريكا، خصوصاً أن توجهاتها الأخيرة تبدو عدائية ضد تحالف الإطار التنسيقي، بعد انتهاء شهر العسل بين أمريكا وإيران، فضلاً عن تحديات المنطقة والحرب على إيران والعلاقة مع دول الخليج التي تتهم العراق بالاعتداء عليها وعدم قدرة الحكومة العراقية على كبح جماح الفصائل المسلحة... وهذا الملف يخضع للظروف الراهنة في المنطقة وما سيتولد عنها من نتيجة الحرب الدائرة في المنطقة.
ثالثا: مشكلة العراق لا يمكن حلها بتسمية رئيس للحكومة، فهو منذ احتلاله عام 2003م وإلى الآن ينحدر من سيئ إلى أسوأ، فالنفايات التي يعاد تدويرها كل دورة انتخابية خاضعة لخارطة سياسية (طائفية وقومية) رسمها المحتل الأمريكي، دفع ثمنها البلد مئات الآلاف من الضحايا، وانتشار الفساد، وضياع الثروات، والحال الآن أشد سوءا بعد انتهاء حالة التوافق الأمريكي الإيراني ووقوع العراق بين مطرقة أمريكا وسندان إيران، وهو أمر لا يبشر بخير لبلد فاقد للسيادة داخليا وخارجيا.
رابعا: لا يمكن وضع صورة سياسية واضحة لمستقبل العراق بمعزل عن محيطه الخارجي، فمستقبل العملية السياسية في العراق مرهون بنتائج الحرب الأمريكية الإيرانية، فهو وباقي دول المنطقة جزء من هذه الحالة، بل هو أكثر تعقيدا بسبب وضعه الأمني الداخلي وضياع القرار السيادي بين الحكومة العراقية والفصائل الخارجة عن قرار الدولة.
خامسا: لا يوجد أي علاج لهذا الحال طالما ننشده من داخل المشكلة، فالحل يجب أن يكون من خارجها، فالنظام السياسي الذي فرضه المحتل ولّد كل هذه المشاكل، وأي محاولة لحلها من داخله هو عبث وتفاقم للمشكلة، لذلك لا بد لعلاج الحالة السياسية للعراق وباقي بلاد المسلمين أن يكون من خارج هذه النظم السياسية المفروضة عليهم، وهذا الخارج هو ما ينبع من عقيدة الأمة الإسلامية، وما فرضه الله من نظم سياسية واقتصادية واجتماعية.
لذلك لا بد للأمة الإسلامية إذا أرادت أن تعيش حالة سياسية مستقرة وكريمة وعادلة، أن تعود لعقيدتها ونبعها الصافي، وتعمل جاهدة لإقامة دولتها التي تكون السيادة فيها للشرع، ويكون سلطانها لها توكل من تثق بدينه وعدله وقدرته فتبايعه على الحكم بشرع الله، فلا يليق بأمة أعزها الله بالإسلام، وقوّاها بالإيمان، أن تعيش الذل، وتخنع للظالمين، ولا تأخذ على أيدي المجرمين، وقد وعدها سبحانه وتعالى إحدى الحسنيين؛ النصر أو الشهادة، ولا يليق بأمة كانت مشاعل نور للإنسانية وقائدة للبشرية بالعدل والإحسان أن تكون في ذيل الأمم يعبث بها أعداؤها بالقتل والتشريد ونهب ثرواتها ورسم خارطة عيشها.
أيها المسلمون: اعلموا يقينا أنه لا عز لكم ولا كرامة ولا عيشا هنيئا إلا بالرجوع إلى دينكم فهو مصدر عزكم، فالله سبحانه وتعالى يقول: ﴿لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُون﴾. فإلى هذا الخير العظيم ندعوك يا أمة الخير والهداية؛ أن تعودي لنبعك الصافي وتنهلي منه، وتحكّمي شرع الله سبحانه وتعالى في حياتك، فتنالي سعادة الدنيا والآخرة، وتغدي خير أمة كما أرادك الله أن تكوني.
بقلم: الأستاذ أحمد الطائي – ولاية العراق