وصفت الأمم المتحدة ومنظماتها الوضع في السودان بأنه أكبر كارثة إنسانية في العالم وأكبر أزمة جوع ونزوح، وقد صرح النائب الرئيسي للمتحدث باسم الخارجية الأمريكية قائلاً: (قتل أكثر من 150 ألف شخص ونزح أكثر من 14 مليوناً ولا تزال المأساة مستمرة)، وأفادت وزيرة الشؤون "الاجتماعية"، بأن الوزارة أحصت 1800 حالة اغتصاب منذ اندلاع الحرب حتى تشرين الأول/أكتوبر 2025، لا تشمل أحداث الفاشر وكردفان. وترتكب غالباً أمام أفراد العائلة، إضافة إلى السبي والاتجار بالنساء والأطفال، وبيعهم في دول الجوار. وأفادت سودان تريبيون عن منظمة العمل الدولية بخروج 37% من المرافق الصحية عن الخدمة بسبب القصف والهجمات، حيث قتل 1858 كادرا طبيا، و490 إصابة حسب تقرير منظمة الصحة العالمية. ووصل معدل البطالة إلى 80% بعد أن كان 32% قبل الحرب حيث فقد 5 مليون شخص مصدر دخلهم الرئيسي. وانخفضت قيمة العملة المحلية من 570 جنيها للدولار الواحد في نيسان/أبريل 2023 إلى 4200 جنيه الآن، وارتفع الدولار الجمركي من 18 إلى 20 جنيها عند قيام الحرب، ثم 2769 جنيها، ثم الآن 3222 جنيها، ما انعكس على غلاء أسعار السلع والخدمات.
كانت عبارة الكاتب جون ليلى عام 1579م توصّف هذه الحالة التي نحن بصددها في حرب السودان، حيث قال "في الحب والحرب كل شيء مباح"، فأصبحت أيقونة توصف بها كل حالات الصراع العنيف الذي يخلف حالة كارثية كحالتنا.
إن الحروب الأهلية التي تضرب أكثر من 30 دولة في 26 حربا أهلية في أفريقيا وحدها، هي من مظاهر الصراع الدولي الاستعماري، وقد أدت إلى تقسيم الدول كالكونغو وإثيوبيا وإريتريا والسودان، وهكذا إضعافا للدول وتمكيناً للاستعمار من رقاب هذه الدويلات الضعيفة المنهكة بالحروب والفقر، حيث بلغت مديونية القارة أكثر من 400 مليار دولار تساوي أكثر من 70% من إجمالي الناتج القومي لدولها، كما أنها خلفت أكثر من 30 مليون لغم أرضي تساوي في مجموعها ربع ألغام العالم!
أين وصلت الحرب في عامها الرابع؟
بالنسبة للوضع العسكري فإن 11 ولاية من أصل 18 ما زالت تحت نيران الحرب، بل وتحت سيطرة قوات الدعم السريع، أما الولايات السبع المتبقية فدائما ما تهدَّد عبر إرسال المسيرات التي تضرب المرافق الحيوية وتصيب مواقع الجيش، ولم يسلم منها حتى السكان المدنيون. وتحت هذا الوضع تناسلت وتكاثرت الحركات المسلحة بالإعلان عن حركات جديدة خاصة في شرق السودان وشماله. فهناك أكثر من 110 حركة مسلحة تنشط 90 منها بالاصطفاف مع أحد طرفي الحرب. وانتقال الحرب بشكل مكثف إلى كردفان شمالها وجنوبها وجنوب النيل الأزرق، يؤكد عدم وجود بوادر لنهاية الحرب والحسم العسكري لها.
كما أن وجود تباين كبير في هوية المليشيات يهدد باستمرار حالة الحرب وعدم الاستقرار حيث توجد حركات مسلحة ومليشيات ذات بُعد مبدئي، 25 حركة إسلامية وأخرى جهوية وقبلية، كما يشهد شمال السودان لأول مرة وجود مليشيات مسلحة حيث أعلن محمد سيد أحمد المعروف بالجاكومي في تموز/يوليو 2025 عن تدريب 50,000 مقاتل في حركة كيان الشمال، كذلك قوة أولاد قِمر في الشمالية وقوات شعب الوسط في ولاية الجزيرة.
إن وجود وانتشار السلاح في أيدي المليشيات ذات التوجه الجهوي والقبلي والمصلحي والمبدئي يعقد المشهد ويضعف فرص السلام.
أما بالنسبة للواقع السياسي فعطفا على ما مضى من واقع عسكري مليشياوي هناك سيناريوهات عدة أبرزها السيناريو الليبي، حيث أعلنت مليشيا الدعم السريع في شباط/فبراير 2025 حكومة تأسيس في إقليم دارفور وأعلن حميدتي رئيساً لها، بينما بقيت حكومة البرهان في الولايات التي تسيطر عليها حكومة بورتسودان، والآن انتقلت إلى الخرطوم كما حصل في ليبيا التي يتجه العالم للاعتراف بوجود حكومتين فيها، حيث أعلن أخيرا موازنة واحدة للحكومتين. أما السيناريو الأكثر رعبا فهو صوملة السودان بتقسيمه إلى دويلات: في دارفور، والوسط، والشمال، والشرق، وجنوب كردفان، وجنوب النيل الأزرق، كما حصل في تقسيم الصومال إلى ثلاث دول.
إن الصراع الاستعماري ودوره في الحرب في السودان ومآلاتها لا يخفى على أحد حيث يمثل العسكر؛ الجيش والدعم السريع مصالح أمريكا في السودان، بينما يمثل المدنيون مصالح بريطانيا.
وقد أكد تقرير لمنظمات غير حكومية أن الحرب أدت إلى النزوح والتشرد والجوع، حيث ملايين العائلات لا يتناولون إلا وجبة واحدة في اليوم وربما لأيام، وحسب خطة الاحتياجات الإنسانية والاستجابة للعام 2026 فإن 61.7% من الشعب السوداني يعاني من انعدام الأمن الغذائي، أي حوالي 29 مليون شخص (رويترز 13/4/2026). كما نشر أيضا تقرير للأمم المتحدة يقول إن السودان يواجه أكبر أزمة نزوح وسط انتهاكات جسيمة وغياب التمويل حيث قالت مفوضية اللاجئين أن هناك 14 مليون نازح.
هذا الوضع يمثل بيئة مناسبة لاختراقات الدول الاستعمارية الطامعة في شأن البلاد وثرواتها. فمثلا الدعم المباشر لنافذة الاستجابة السريعة (آر آر دبليو) يهدف إلى تعزيز مشاركة المرأة وتأثيرها في عملية السلام أو اتفاقية السلام. كذلك في الوضع الاقتصادي، التقى وزير الدولة بالمالية ومحافظ بنك السودان، التقوا بالمدير التنفيذي للبنك الدولي عن المجموعة الأفريقية، وكذلك اجتماعات الربيع للبنك وصندوق النقد الدوليين، ولقاء المدير التنفيذي للمملكة المتحدة لدى الصندوق والبنك الدوليين... كلها محاولات لاختراق الوضع في السودان.
خلاصة ذلك رهن القيادة العسكرية والمدنية البلاد لصالح المستعمر، فقد صرح ائيس الوزراء كامل إدريس يوم 18/4/2026 خلال لقاء الصحفيين أن الحكومة بصدد إطلاق حزمة مشاريع استراتيجية يتصدرها مشروع مارشال السودان لإعادة إعمار ما دمرته الحرب، وذلك على طريقة خطة وزير خارجية أمريكا جورج مارشال لإعادة إعمار أوروبا التي دمرتها الحرب العالمية الثانية فيما عرف لاحقا بمشروع مارشال عام 1948، وكانت تصريحات كامل إدريس على خطا البرهان الذي يعرض البلد وثروتها لأمريكا، فقد جاء في مقالته التي كتبها لصحيفة وول ستريت جورنال في 26/11/2025: "يريد السودان أن يكون شريكا قويا للولايات المتحدة وأن يساهم في حماية الاستقرار الإقليمي وإعادة بناء المدن والبلدات المدمرة وسيكون للشركات الأمريكية دور مهم في إعادة الإعمار والاستثمار والتنمية طويلة الأمد".
من كل ما سبق نخلص إلى أن أهل السودان موعودون بحالة من الضيق والعنت والمشقة وربما التمزيق وذهاب ريحهم ما لم يتحرك المخلصون الواعون لتجنيب البلاد الانزلاق في هذا المنحدر الخطير، ولا يمكن لذلك أن يحصل إلا إذا أخذنا على يد الساسة والعسكر الموالين للغرب الكافر ومشروعاته عبر الأعمال السياسية والفكرية التي تفضح خططهم وعمالتهم، ولا بد للمخلصين في الجيش والأمن والشرطة من أخذ الحكم من أيدي العملاء والخونة ونصرة العاملين لإقامة الخلافة، فهي وحدها القادرة على قطع يد المستعمر وإخراجه من بلاد المسلمين وإقامة شرع الله وصون حرمات وكرامة المسلمين وجعل ثرواتهم في أيديهم لا في يد عدوهم، ولمثل ذلك فليعمل العاملون.
بقلم: الأستاذ ناصر رضا
رئيس لجنة الاتصالات المركزية لحزب التحرير في ولاية السودان






















رأيك في الموضوع