في جغرافيا تبدو بعيدة عن مركز القرار الدولي، يتشكل اليوم أحد أخطر التحولات الصامتة في غرب مالي، حيث يعود اسم أزواد إلى الواجهة، لا كذكرى لتمرد مضى، بل كمشروع يتجدد من قلب الفوضى. إن ظهور جبهة تحرير أزواد بصيغتها الجديدة ليس حدثاً معزولاً، بل هو انعكاس مباشر لانهيار التوازنات التي حكمت منطقة الساحل لسنوات، بعد تراجع النفوذ الدولي وتآكل سلطة الدولة المركزية.
في هذا السياق المضطرب، تختلط مطالب الهوية القومية بحسابات القوة، وتتداخل السياسة في اقتصاد الفوضى لتنتج مشهداً أكثر تعقيداً من مجرد صراع انفصالي تقليدي. ما يجري اليوم ليس فقط صراعاً على الأرض، بل هو اختبار قاس لفكرة الدولة نفسها في واحدة من أكثر مناطق العالم هشاشة.
من التمرد التقليدي إلى إعادة التموضع السياسي:
تمرد أزواد في مالي هو صراع هيكلي مستمر منذ استقلالها المزعوم عام 1960، ويتمحور حول مطالب الطوارق سكان الشمال بالحكم الذاتي أو الانفصال في منطقة أزواد. ويُنظَر إلى هذا التمرد على أنه حلقة مفرغة من التمرد والقمع، ثم المفاوضات والهدن التي تتكرر عبر العقود.
ومنذ إعلان استقلال إقليم أزواد لفترة وجيزة عام 2012 على يد الحركة الوطنية لتحرير أزواد، بدا أن القضية الطوارقية قد دخلت مرحلة جديدة، لكن سرعان ما تم احتواء ذلك الصعود عبر تدخلات عسكرية خارجية، أبرزها عملية سيرفال بقيادة فرنسا.
اليوم تعود الفكرة نفسها، ولكن بلباس مختلف؛ خطاب أقل اندفاعاً نحو الانفصال الصريح، وأكثر تركيزاً على الحكم الذاتي والحقوق السياسية. وهذا التحول ليس اعتدالاً بقدر ما هو تكتيك فرضته موازين القوى. فإذا كانت التمردات الطوارقية السابقة كلاسيكية، فإن هذه الجبهة هجينة بامتياز، وتتميز بعدة عوامل رئيسية:
- تكتيك الرأسين بالشراكة مع القاعدة:
لأول مرة، تتعاون جبهة انفصالية بهذا الشكل مع جماعة نصرة الإسلام والمسلمين التابعة لتنظيم القاعدة، بتقسيم أدوار واضحة؛ حيث يركز الطوارق على توسيع سيطرتهم في الشمال، بينما يضرب الجهاديون العمق الاستراتيجي للدولة، ما خلق معادلة صعبة. وقد ورد ذلك في خبر الجزيرة نت بتاريخ 28/4/2026 تحت عنوان: "تحالف نصرة الإسلام وجبهة تحرير أزواد: زواج مصلحة أم تحول استراتيجي؟".
- توقيت استغلال الفراغ الجيوسياسي:
ساعد انسحاب البعثة الأممية (مينوسما) نهاية 2023، ونهاية عقد مجموعة فاغنر الروسية حيث أعلنت المجموعة الروسية رسميا انتهاء عقدها في مالي في 6 حزيران/يونيو 2025، وقد جاء هذا الإعلان بعد أن قالت المجموعة إنها أنجزت المهمة الرسمية التي تعاقدت عليها مع الحكومة المالية حسب إذاعة صحراء 24 بث مباشر، ما خلق فراغا في المشهد وفتح المجال لإعادة ترتيب النفوذ. وهذا يضع السلطة المالية أمام مسارين: إما الاستمرار في خيار الحسم العسكري، الذي أثبت محدوديته أمام حرب العصابات المتطورة، أو القبول بتفاوض صعب مع الجماعات المسلحة والقوى الانفصالية لإنقاذ ما تبقى من كيان الدولة. حيث تتجه الدولة نحو مرحلة من عدم الاستقرار السياسي، قد تنتهي بتغيير في هيكلة السلطة أو إعلان حالة طوارئ طويلة المدى.
- انتصار معنوي بإعادة كتابة التاريخ (استعادة كيدال):
وفقا للتقارير فقد تعرضت البلاد في 25 نيسان/أبريل 2026 لهجمات استهدفت مناطق وقواعد عسكرية أسفرت عن مقتل وزير الدفاع ساديو كامارا وزوجته، إلى جانب سقوط ضحايا آخرين، كما سجلت انفجارات متقطعة في محيط مطار موديبو كيتا الدولي في العاصمة باماكو وسقطت مدينة كيدال في أقصى الشمال، حيث إن سقوط المدينة مجدداً، بعد أقل من ثلاث سنوات من استعادتها، كان بمثابة إعلان فشل نهج باماكو العسكري، متجاوزاً دعم كتائب المرتزقة الروس، الذين اضطروا للانسحاب وفق تفاهم ميداني (حسب مركز دراسات الأمن الأفريقي بتاريخ 29/4/2026).
والسؤال الأكثر أهمية: لماذا الآن؟
إن قرار تشكيل الجبهة هو محصلة لتراكم الغضب المتجذر في أوجه القصور الهيكلية في مالي. ففي الجذور السياسية، يعود ذلك إلى فشل متكرر في تنفيذ الاتفاقات، أبرزها اتفاق الجزائر (كانون الثاني 2024)، فقد (شكل إلغاء اتفاقية الجزائر الموقعة في عام 2015 نقطة تحول مفصلي إذ أعادت فتح جبهات القتال مع الجماعات المسلحة بما فيها فصائل الطوارق وفي ظل هذا التصعيد برزت الحاجة لدى بعض الحركات الأزوادية لإعادة هيكلة صفوفها ضمن إطار موحد أكثر فاعلية)، وجاء تشكيل الجبهة رداً مباشراً على التصعيد العسكري الذي ورثه المجلس العسكري الحاكم.
أما الدوافع الاستراتيجية، فتتمثل في رغبة الفصائل المنضوية تحت مظلة الجبهة في استباق أي تهديد مستقبلي، من خلال كيان موحد يمتلك القدرة على الردع الجماعي.
ومع الأسف، فإن المشهد أشبه برقصة التانغو القاتلة بين لاعبين رئيسيين:
جبهة تحرير أزواد (انفصاليو الطوارق)، حيث جاء إعلان تشكيل جبهة التحرير أزواد في تشرين الثاني/نوفمبر 2024 نتيجة مباشرة لتراكمات أمنية وسياسية شهدها شمال مالي، أعادت تشكيل مشهد الفاعلين المسلحين في المنطقة، وهي تسعى إلى تقرير مصير أزواد وحكم ذاتي مدعوم بشرعية معتدلة لجذب الدعم الخارجي، لكنها تصطدم بضعف الائتلاف واحتمال انقسامه لاحقاً.
وجماعة نصرة الإسلام والمسلمين (جهاديون)، ففي عام 2017 برز تنظيم جماعة نصرة الإسلام والمسلمين باعتباره قوة مهيمنة بعد اندماج عدة جماعات مرتبطة بتنظيم القاعدة ما أدى إلى تصاعد الهجمات وتوسع رقعة السيطرة في شمال مالي، والتي تستثمر النهج العملي لتصبح طرفاً أساسياً في المعادلة، مستفيدة من قيادة شخصية وسيطة مثل إياد أغ غالي لتقريب وجهات النظر (الجزيرة نت، 28/4/2026).
وفي ضوء هذه الهشاشة الحادة، قد ينزلق المشهد المالي نحو حرب أهلية شاملة، مع استمرار استهداف العاصمة وتوسع الجبهة صوب المدن الكبرى من مثل غاو وتمبكتو، بما يهدد بإغراق البلاد في حرب إقليمية طويلة الأمد. أو قد نصل إلى سيناريو تفتيت الدولة وتشكيل كانتونات عرقية على غرار الصومال، وهو ما قد يسمح بتدخلات إقليمية، مثل الجزائر وموريتانيا، ودولية أيضاً، خاصة مع وجود تنافس على النفوذ واختراق المنطقة برمتها.
وعليه، فإن ما نشهده ليس مجرد تمرد جديد، بل هو فشل ذريع لنموذج الدولة المركزية في مالي. فجبهة أزواد لم تعد مجرد جماعة متمردة تطلب الحكم الذاتي، بل أصبحت أزمة بنيوية ربما يتعامل المجلس العسكري في باماكو معها، إما عبر المفاوضات أو الاستمرار في نهج القمع الذي أثبت فشله مراراً.
ومع الأسف، فإن بلاد المسلمين تستباح للقاصي والداني تحت شتى المسميات، ما دامت بلا خليفة يحمي حماها. لذلك، على شعوب أفريقيا خاصة، والمسلمين عامة، العودة إلى حياة كريمة تستمد قيمها من تطبيق شرع الله، والسعي لتحقيق بشرى رسول الله ﷺ: «ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ»، فنخرج من عنق العرقية والطائفية، وننصهر في بوتقة الإسلام كما كنا سابقاً، تحت راية خليفة يرعى شؤون المسلمين وغير المسلمين من حاملي التابعية، وينشر العدل والنور في العالم. اللهم عجل لنا بدولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة.
بقلم: الأستاذ نبيل عبد الكريم