لاقت زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى الصين اهتماماً إعلاميا واسعاً واحتلت عناوين إعلامية كبيرة، وقُدّمت باستعراضات احتفالية لافتة، إلا أنّ النتائج العملية للزيارة لم تعرف بشكل واضح إلا بعد مدة، ويبدو أنها محدودة جداً مقارنة بالتوقعات التي عُلّقت عليها.
أعلن ترامب يوم الجمعة 15/05/2026 بعد انتهاء زيارته أنّ "العلاقات الشخصية بين القادة لعبت دوراً أساسياً في حل مشكلات كبرى بين الولايات المتحدة والصين، وإبرام صفقات بين الجانبين"، وقال بأن لديه: "علاقة جيدة جداً مع شي الرئيس الصيني"، فهو قد ركّز على الجانب الشخصي الدعائي أكثر من الجانب العملي والرسمي.
واستدل ترامب على أنّ التجارة بين الدولتين "كانت قوية جداً" والإشارة إلى أنّ الصين ستزيد مشترياتها من فول الصويا الأمريكي، وهو ما يؤدي إلى دعم المزارعين الأمريكيين، وأنّ الرئيس الصيني شي قد التزم بشراء 200 طائرة أمريكية من شركة بوينغ، وأنّ هذه الصفقة قد ترتفع إلى 750 طائرة "إذا قامت بوينغ وجنرال إلكتريك بعمل جيد"، ويقصد إذا استخدمت طائرات بوينغ محركات من شركة جنرال إلكتريك.
لكنّ ترامب ومع كل هذا الضجيج الإعلامي حول هذا النجاح المزعوم إلا أنه لم يكشف عن تفاصيل وموعد بدء عمليات الشراء الصينية لفول الصويا وللطائرات، وقصة شراء الصين لهذه الطائرات معروفة قبل القمة، فالخبر قديم وليس نتاج القمة نفسها، وهو ما يدل على أنّ عمليات الشراء هذه مجرد وعود بالشراء وليست اتفاقات شراء مضمونة، بدليل ما صرّحت به كبيرة الاقتصاديين المختصين بالشؤون الصينية في وحدة الاستخبارات الاقتصادية يو سو بقولها: "أعتقد أن كلا الجانبين قدّم وعوده".
وبخصوص ملف تايوان قال ترامب إنّه ناقشه بشكل مطول مع شي، مُدّعياً أنّه لا يعتقد بوجود صراع بشأن الجزيرة، وبيّن بأنّه "لم يقدم أي التزام" بشأن تايوان خلال محادثاته مع الرئيس الصيني، وترك الباب مُوارباً فقال بأنّه لم يوافق بعد على تزويد تايوان بأسلحة، وأضاف: "قد أفعل ذلك، وقد لا أفعل"، وهذا يدل على أنّه لم يحصل أي اتفاق بشأن هذه القضية الجوهرية ولم يجر أي نقاش جدي حولها.
وبالنسبة لإيران فقد قالت المسؤولة الصينية بأنّ هناك "حدوداً لما يمكن للصين فعله واقعياً، فالنظام الإيراني يحاول البقاء، وسيعطي الأولوية لمصالحه وأجندته فوق كل اعتبار". أي أنّ الصين لم تلتزم لأمريكا بالضغط على إيران، ولم تعمل على انتزاع تنازلات لأمريكا منها.
ومن جهته فقد أوضح الرئيس الصيني لترامب أهمية جعل الصين في نفس مستوى أمريكا من ناحية دولية، وأورد للتدليل على ذلك ذكر رمز تاريخي إغريقي قديم للصراع الدامي بين إسبارطة وأثينا فقال: "هل تستطيع الصين والولايات المتحدة تجاوز ما يسمى بفخ ثوسيديدس وإرساء نموذج جديد للعلاقات بين القوى العظمى والعمل معا لمواجهة التحديات العالمية؟"، وتتحدّث القصة التي ذكر الرئيس الصيني رمزها بأنّ إسبارطة الدولة الأقوى في ذلك الزمان قد استهانت بقوة أثينا الناشئة ما أدى إلى استمرار الصراع بينهما وخسر الطرفان، والرسالة هنا تعني أنّ على أمريكا أن لا تستهين بقوة الصين وعليها أن تتفاهم معها دوليا على مستوى الندية وإلا ستقع في فخ ثوسيديدس.
وهكذا نجد أنّ الملفات الحساسة المهمة سواء أكانت ملفات سياسية كملف التعددية القطبية وملف تايوان أو الملف الإيراني، أو الملفات الاقتصادية والتكنولوجية الأخرى كالخلافات التجارية، وتصدير التكنولوجيا الفائقة، وتسهيل عبور المعادن النادرة، لا يبدو أنّها حققت اختراقات محسوسة، وقد ساد الزيارة هالة من المشاهد البروتوكولية الشكلية التي طغت على جوهر الاتفاقات، وغطت على طبيعة المفاوضات الحقيقية التي جرت بين الطرفين.
وواضح أنّ الجانبين التجاري والتكنولوجي قد طغيا على الزيارة، وظهر هذا الطغيان بأمارة اصطحاب ترامب معه وفداً اقتصادياً وتكنولوجياً ضخماً ضم رجال أعمال وممثلين عن شركات أمريكية كبرى تعمل في قطاعات المال والأعمال والتكنولوجيا والطاقة والزراعة والصناعة، وممن شارك في الاجتماع الرئيس التنفيذي لشركة بوينغ وجينسن هوانغ والرئيس التنفيذي لشركة إنفيديا ورجال أعمال كبار، ومنهم تيم كوك الرئيس التنفيذي لشركة آبل، وإيلون ماسك الرئيس التنفيذي لشركة تسلا.
وهؤلاء يريدون جني الأرباح الطائلة من إبرام عقود مع بلد كبير كالصين يعتبر ثاني أكبر اقتصاد في العالم، وأكبر مصنع ومصدر لمعظم السلع لجميع دول العالم، فهم يدركون جيداً أهمية السوق الصيني وحجمه الكبير، ويعون قدرات الصين الاقتصادية الضخمة، وتأثيرها بشكل عام على حركة الأسواق العالمية، وعلى سلاسل التوريد على حدٍ سواء.
وتدرك الشركات الأمريكية حاجة الصين الماسة للاستفادة من تفوقها التكنولوجي لأجل الاستفادة منها في تطوير قدرات الصين التكنولوجية الذاتية من خلال رفع القيود الأمريكية المفروضة على تصدير تلك الرقائق والمعدات الأمريكية المتقدمة للصين، بمعنى أنه إذا ما تم الاتفاق على رفع تلك القيود مقابل سماح الصين بتسهيل مرور المعادن النادرة التي تفتقر إليها أمريكا في صناعاتها الحساسة فهذا يعني نجاح المفاوضات بالنسبة لهم.
وعلى كل حال فقد نتج عن هذه الزيارة كسر لحالة الجمود التي هيمنت على العلاقات بين الدولتين في العقد الأخير، وتم تحقيق شكل من أشكال الاستقرار الاستراتيجي بين القوتين العظميين في عالم يموج بالصراعات.