لم يعد النفط مجرد سلعة استراتيجية، بل شبكة معقدة من المسارات، ومن يسيطر عليها يمتلك القدرة على إعادة تشكيل الاقتصاد العالمي دون إطلاق رصاصة واحدة. وبينما تسعى الدول إلى تنويع طرق الإمداد وتحسين شرايين الطاقة يبقى التوازن هشا قائما على معادلة دقيقة بين الردع والتدفق وبين الحماية والابتزاز. وقد تنبهت الدول الكبرى لهذا منذ زمن حيث سعت الصين إلى الحزام والطريق بغض النظر عن فشله أو نجاحه وإلى الطاقة البديلة، وأيضا تحركت أمريكا منذ مدة وبشكل عسكري واقتصادي وسياسي واستخدمت النفوذ للسيطرة، وما نشاهده اليوم من حروب على النفوذ في الشرق الأوسط وممراته وأفريقيا وثرواتها ما هو إلا حرب بلا نار بين طرفي صراع قد يفضي في لحظات العتمة إلى حرب أكبر مما نتصور.
وهكذا فإن مستقبل الطاقة لن يتحدد فقط بمن يملك النفط بل بمن يملك مفاتيح عبوره، وفي لحظة تتقاطع فيها المصالح وتضيق فيها الممرات قد يتطور الصراع إلى السيطرة عليها ما يؤدي إلى إعادة كتابة قواعد القوى في النظام الدولي.
وليست بلاد المسلمين ببعيدة على أن تتحرك وتحدث تغييرا كبيرا فهي تملك مبدأ ربانيا وثروات عظيمة وممرات كبرى، فهي في وسط العالم، وإن شاء الله تتحول من تابع إلى متحكم ضمن دائرة مغلقة من الحقول إلى الموانئ، فهي تملك القوة التي لا تأتي من كمية الاحتياط فقط بل من السيطرة المتصلة، فهي تتحكم بالإنتاج (الحقول والقدرة الفائضة) وبالنقل (شبكات أنابيب ومرافق داخلية)، وأيضا تتحكم بالعبور حيث إن كل المضائق من (مضيق هرمز ومضيق باب المندب ومضيق البوسفور والدردنيل... وغيرها) ستصبح من ممتلكات هذه الدولة فتصبح آلية التسعير والبيع والعقود والنقود كلها في يد خليفة المسلمين، وحينما تبنى البنى التحتية الحرجة (موانئ عميقة متعددة ومخازن استراتيجية ومصاف قريبة من نقط الشحن... وغيرها)، فإن الدولة المبدئية؛ دولة الخلافة القائمة قريبا بإذن الله إذا أحكمت قبضتها على حلقات الطاقة والممرات وغيرها تتحول إلى منصة عبور عالمية تدير التدفق بدل أن تطارده.
إن القوة الحقيقية لا تكمن في إغلاق الشرايين بل في القدرة على إبقائها مفتوحة بثمن وشروط هذه الدولة المبدئية ويصبح الاستقرار المدار هو أعلى أشكال النفوذ، فكل ما تحاول أن تملكه الدول الكبرى اليوم هو أصلا ملك لدولة الخلافة، فالحزام والطريق في بلادنا وطريق الحرير الجديد في بلادنا والمضائق هي مضائقنا والطاقة هي طاقتنا والمواد الخام هي لنا بكل أنواعها.