النكبة كلمة كلما ذكرت تراودت إلى أذهان المسلمين قضية فلسطين؛ ففي عام 1948 تحرك يهود لاحتلال فلسطين وتهجير أهلها من أراضيهم، فسفكوا الدماء وقتلوا الأطفال والنساء، ولما سمعت الدول العربية بالخبر حركت الأردن والعراق ومصر ولبنان وسوريا جيوشها تجاه فلسطين، فاشتد القتال على يهود من المخلصين في الجيوش على جميع الجبهات حتى وصل صراخ يهود إلى الغرب الكافر وعلى رأسه الأمم المتحدة، ومن هنا بدأت الخيانة، فوافقت جميع الأطراف على هدنة إنسانية لمدة شهر! فكيف للجيوش العربية أن توافق على هدنة وهي منتصرة وفي طريقها لإبادة يهود؟! ولكن المدهش أكثر من ذلك عندما تعلم أن من كان يقود الجيش العربي الأردني هو غلوب باشا الإنجليزي! وكذلك باقي قيادات الجيوش العربية والرؤساء الذين قاموا بإرسال أوامر بالانسحاب من بعض المناطق مع العلم أنهم كانوا منتصرين، وقد كان الأصل فيهم هو التقدم نحو العدو وليس الانسحاب! وقبل أن تنتهي مدة الهدنة المقررة قام يهود بخرقها، حيث على مدار 26 يوما لم تتوقف الإمدادات العسكرية من الغرب لهم فقاموا بمحاصرة وقتال الجيوش العربية وإجبارها على الانسحاب.
ومع مرور الأحداث والسنوات وفي عام 1964 أعلن إنشاء منظمة التحرير الفلسطينية من مصر كممثل رسمي ووحيد للشعب الفلسطيني بهدف تسليم ما تبقى من فلسطين للكيان الغاصب، ثم بعد ذلك يصبح المحرم مشروعاً، حتى كان أعظم إنجازات منظمة التحرير هو اتفاقية أوسلو لتعترف بوجود كيان يهود على 78% من أرض فلسطين وتقوم بالتفاوض على ما تبقى من فلسطين وهو 22% التي لم يبق منها إلا 14% بفضل السلطة الفلسطينية المنبثقة من اتفاقية أوسلو الخيانية كما ذكر رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس خلال كلمته ضمن أعمال المؤتمر العام الثامن لحركة فتح، حيث وصف اتفاقية أوسلو بأنها "خيانة"، معقباً: "اتفاق أوسلو خيانة بس بدنا إياه.. بدنا نحافظ عليه"! إذاً ما الهدف من المحافظة على اتفاقية هي خيانة؟! ومن يتحمل ما انبثق عنها من حماية لكيان يهود؟! أكثر من 22 عاما على هذه الاتفاقية ولم يتغير على أفعال يهود شيء؛ من قتل وتشريد وحصار وهدم للبيوت واعتقالات، بل لقد زاد كيان يهود من أفعاله الخسيسة بالاعتداء على المقدسات في القدس والخليل وغيرهما؛ ففي الأيام القليلة الماضية قام يهود بأداء صلوات تلمودية في باحات المسجد الأقصى يستفزون بها كل مسلم على وجه الأرض، وما يفعله المستوطنون في الضفة الغربية من الاعتداء على العزل وسرقة أموالهم وأراضيهم ومواشيهم، وما لقيه الأهالي من ضرب وإذلال وخطف وقتل، فلم يسلم منهم النساء والأطفال والشيوخ والشباب، كل هذا على مرأى ومسمع من أصحاب اتفاقية الذل والفساد والخيانة أوسلو، فلماذا يجب الحفاظ على اتفاقية لم يتبقَّ منها إلا تكريس نفوذ طبقة من المتنفذين داخل السلطة ليقوموا باستنزاف أموال الناس عبر الضرائب والرسوم، أم من أجل تنفيذ سياسات كيان يهود وأمريكا وأوروبا في محاربة الإسلام والمسلمين وهدم مفاهيم الإسلام وحذفها من المناهج التعليمية؟!
إن تحرير بيت المقدس ما كان لينتظر 78 عاما إلا بسبب اتفاقية سايكس بيكو الإجرامية بعدما قاموا بتمزيق بلاد المسلمين على أنقاض الخلافة العثمانية فأصبحت دويلات تحكم بالكفر من خلال عملاء الغرب، وكل مسلم داخل هذه الدويلات أصبح ينتمي إليها انتماء وطنيا، فلم يعد المسلمون ينظرون إلى هذه البلاد المقدسة إلا كعاطفة إسلامية تذرف بعض الدموع عند ذكرها، فكلما ترسخت مصطلحات الوطنية والقومية في بلاد المسلمين نجح الكفار في أن يكسبوا الوقت في تأخير الزحف نحو المسجد الأقصى لتحريره.
أكثر من 78 عاما وما زال كيان يهود يعمل بالوتيرة نفسها بل بزيادة القتل والتجويع والاستيلاء على الأراضي وتهويد المقدسات، وبفضل سايكس بيكو وحكام العرب الذين نجحوا أن يحولوا المعادلة من وجوب اقتلاع هذا الكيان وآلية التخلص منه إلى كيفية التعايش معه باتفاقيات وتطبيع علاقات تغضب أهل السماء وأهل الأرض.
فنحن المسلمين نكبتنا الكبرى كانت يوم أن هدمت خلافتنا ومزقت بلادنا وأصبح القاصي والداني يتطاول علينا، وما فلسطين إلا مسألة في هذه القضية الكبرى، ولقد تحققت رؤية الخليفة عبد الحميد الثاني رحمه الله عندما قال لهيرتزل: "لعمل المبضع في جسدي أهون علي من أن أتنازل عن شبر من أرض فلسطين، فهي ليست ملك يميني بل ملك الأمة الإسلامية. وإني لا أستطيع الموافقة على تشريح أجسادنا ونحن على قيد الحياة... فليحتفظ اليهود بأموالهم فإذا هدمت دولة الخلافة ستأخذون فلسطين بلا ثمن.." وهذا ما حدث.
إن حل مسألة فلسطين هو برجوعها إلى مسارها الحقيقي بوصفها قضية المسلمين وبعيدا عن السخف الوطني والقومي والمؤسسات الدولية التي أثبتت السنين أنها سراب وخداع واستنزاف للوقت، فتكون بداية حل نكبة المسلمين بتوحدهم تحت راية واحدة بالعمل مع العاملين لإقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة واستعادة سلطان الأمة المسلوب فتتحرك الجيوش نحو الأقصى ويمحق كيان يهود، فتعود للأمة عزتها وشموخها وكيانها، وما ذلك على الله بعزيز.
بقلم: الأستاذ عبد الرحيم خليل






















رأيك في الموضوع