تسعى أمريكا من خلال حصارها لمضيق هرمز من الخارج إلى إحكام الخناق بشكل أفعل على إيران لتقليل عائداتها من بيع نفطها لدول آسيوية كبرى كالهند والصين.
فهذا الحصار وهو بلا شك نوع من أنواع القرصنة يؤدي إلى تعطل صادرات إيران، وإلى نقص في كميات الوقود في خزانات الموانئ البحرية الإيرانية، وهو ما يضطرها إلى تحويل كميات كبيرة منها إلى خزاناتها البرية، وإزاء هذه المخاطر الاقتصادية والمخاطر المتعلقة بالطاقة، وبسبب الخوف من تعطل إمدادات الكهرباء في المدن الإيرانية، لمحت إيران إلى استخدام فكرة فرض حصار بحري على البحر الأحمر من خلال إغلاق مضيق باب المندب وذلك لترحيل الأزمة الاقتصادية إلى العالم بأسره، وجعلها أزمة اقتصادية عالمية كبرى تضغط بها على أمريكا لحملها على وقف حصارها، لكن مع ذلك التلميح لم تخضع أمريكا لتلك التهديدات، وواصلت حصارها على الموانئ الإيرانية، بل وزادت من إحكام الحصار وتوسيعه، ليشمل جميع الموانئ الإيرانية الموجودة خارج المضيق.
لقد كان حصار أمريكا لمضيق هرمز من الخارج أشد ورقة ضغط مارستها على إيران وأكثرها فاعلية، فلقد كانت أكبر تأثيراً على إيران من الأعمال العسكرية التي قامت بها أمريكا في عدوانها على إيران، وقد أدّى هذا الحصار الخانق على الاقتصاد الإيراني وعلى السيادة الإيرانية إلى بدء حلحلة الأزمة، وبدء التعاطي بإيجابية مع شروط طرفي الصراع للدخول في المفاوضات الجدية الرامية إلى إنهاء الحرب، فأعلنت إيران بشكل مفاجئ عن رفع الحصار عن المضيق وعودته مفتوحاً بشكل كامل أمام جميع السفن التجارية، وبالمقابل أعلن كيان يهود وبضغط أمريكي شديد عن قبول وقف القتال في لبنان لمدة عشرة أيام تمهيداً للوقف الدائم وذلك بالرغم من أنّ أمريكا قد نفت الربط بين المسألتين استعلاء وتكبراً.
لكنّ أمريكا وبعد هذه الحلحلة في عملية التفاوض استمرت في الإبقاء على حصارها للموانئ الإيرانية وقالت بأنه سيتواصل لغاية الانتهاء من المفاوضات، والتوصل الكامل إلى تحقيق الأهداف التي أعلنتها لإيقاف الحرب، أي أنها قامت بإبقاء الحصار على الموانئ الإيرانية، فيما رفعت إيران حصارها عن الموانئ العربية.
لكنّ إيران اعتبرت ذلك انتهاكاً للاتفاق، وأعادت بالتالي إغلاق المضيق مرة ثانية، فقد صرح قائد القوات المسلحة الإيرانية: "إنّ استمرار واشنطن في حصارها البحري وخلق حالة من عدم اليقين بشأن أمن السفن التجارية الإيرانية وناقلات النفط سيشكل مقدمة لخرق وقف إطلاق النار الساري منذ 8 نيسان/أبريل".
وأما ما يقال بأن لإيران منافذ أخرى برية مع تركيا والعراق وأذربيجان وأرمينيا قد تغنيها عن موانئها في الخليج فهذا قول خاطئ، لأن تلك المنافذ الحدودية البرية ليست مهيأة لنقل وتصدير الكميات الهائلة من النفط الإيراني، فهي مجرد منافذ حدودية عادية غير معدة لنقل النفط، ولا متصلة بالمنشآت النفطية بخطوط نقل خاصة توفر بدائل مجدية عن الخطوط البحرية.
فقد أصبح لهذا الحصار الأمريكي تأثير بالغ على قرارات إيران السياسية، وباتت له جدوى اقتصادية آنية فورية تؤثر على الوضع الاستراتيجي لإيران بشكل عام، ويحقق لأمريكا مكاسب جيوسياسية محسوسة من خلال حصارها هذا.
لكن هذا لا يعني أن إيران خسرت الحرب، وأنّها لا تملك خيارات أخرى لمواجهة هذا الحصار، فلو أرادت إيران أن تستمر في المواجهة مع أمريكا فما عليها إلا استمرار إغلاق مضيق هرمز، وعدم السماح بإخراج أي برميل نفط من جميع موانئ الخليج، وهذا يوجد بالتأكيد تعطيلا كبيرا في إمدادات الطاقة في العالم، ويؤدي بالضرورة إلى إحراج أمريكا أكثر في علاقاتها بالعالم، ويفضي بالتالي إلى تأليب جميع دوله ضدها، وهو أمر لا تقوى أمريكا على المضي في مجابهته.
وهناك أيضاً ورقة ضغط ثانية رابحة لإيران لم تستخدمها بعد، وهي الورقة التي طالما لوّحت بها، وهي إغلاق مضيق باب المندب، وقد جرب ذلك بنجاح في حرب الاثني عشر يوماً العام الماضي، لكن يبدو أن إيران لا تريد المواجهة الطويلة مع أمريكا بغية تحقيق مكاسب تكتيكية، مع أن الصمود والمواجهة أفضل لها على المستوى الاستراتيجي بعيد المدى؛ لأن إغلاق مضيقي هرمز وباب المندب إن تم فسيفاقم الأمور العالمية سياسياً واقتصادياً من جميع النواحي، وسوف يضرب الاقتصاد العالمي في الصميم، ليس فقط في حقل الطاقة والصناعة والتجارة وحسب، بل أيضاً في جميع الحقول الأخرى كالغذاء والدواء وفي جميع الصعد الحياتية.
فأمريكا تستطيع أنْ تحاصر الموانئ الإيرانية وتضيق على الحياة المعيشية في إيران، لكنها لا تستطيع أن تواجه معضلة عرقلة الملاحة في البحار والمحيطات بين القارات لمدة طويلة، وهي تستطيع أن تقصف إيران بكل أنواع القنابل والصواريخ، لكنها لا تستطيع أن تحتلها برياً وتسيطر عليها، وهي استطاعت أنْ تغتال قيادات كثيرة في إيران لكنها لم تستطع أن تغير النظام في إيران.
والخلاصة إنّ حصار الموانئ الإيرانية مجدٍ لأمريكا ومؤذٍ لإيران لكنّه لا يستطيع حسم المعركة لصالح أمريكا كلياً، ولا يستطيع منع صمود إيران لو أرادت قيادتها أن تصمد لسنوات، فالمسألة بالنسبة لإيران يجب أن تكون مسألة وجودية مطلوب فيها الصمود والصبر، بينما هي بالنسبة لأمريكا حرب اختيارية، دوافع إيقافها أكبر من دوافع الاستمرار فيها، ومن هنا كان على إيران أن لا تخنع ولا تخضع لإملاءات أمريكا، وأن تستمر في معركة الصمود والمُواجهة حتى تنسحب أمريكا من هذه الحرب مضطرة، بحيث لا يوجد أمامها خيار آخر إلا الانسحاب كما حصل معها في فيتنام وأفغانستان.
وإنّ ما لم تنتزعه أمريكا بالحرب لا يجوز انتزاعه بالتفاوض، والطريق الصحيح أمام إيران هو الانسحاب الفوري من المفاوضات، وهذا هو أقوى سلاح تملكه إيران الآن، ثمّ الاستمرار بالتصدي والصمود والمواجهة إلى أن تخرج أمريكا من الخليج مذمومة مدحورة.