إنّ أهميّة توقيت زيارة رئيس روسيا بوتين للصين كونها جاءت مُباشرة بعد انتهاء زيارة رئيس أمريكا إليها، لذلك فهي تحمل معاني عديدة، ولها دلالات كثيرة، ولا يخفى على المتابع للزيارة ملاحظة وجود تقارب جديد بين روسيا والصين، كما لا يخفى عليه ملاحظة وجود تنسيق مكثف بين الدولتين لمُواجهة أمريكا بالذات.
من الواضح إذاً أنّ رئيس روسيا بوتين ورئيس الصين شي جين بينغ قد عزّزا بشكل كبير من تعاونهما في الفترة الأخيرة في مجالات حيوية عدة كالتجارة والطاقة والأمن والعلاقات الدولية، وقد تمّ تتويج ذلك كله بهذه الزيارة الأخيرة لبوتين إلى الصين في التاسع عشر من هذا الشهر الجاري والتي تمّ التوقيع فيها على 42 وثيقة بين الدولتين، وفي مُقدّمتها توقيع بيان مشترك حول مواصلة تعزيز الشراكة الشاملة والتفاعل الاستراتيجي، وتعميق علاقات حسن الجوار والصداقة والتعاون، بالإضافة إلى إعلان مشترك حول بناء عالم متعدد الأقطاب، والتطلع إلى بناء نوع جديد من العلاقات الدولية.
لقد كانت زيارة بوتين للصين ناجحة جداً على كل المستويات مقارنةً بزيارة ترامب، التي كانت باهتة جداً، ولم تحقق أية نتائج تذكر في أي من القضايا الرئيسية التي طرحت على جدول الأعمال، والتي طغى عليها فقط الطابع الشخصي، بالرغم من أنها غلفت بهالة إعلامية دعائية فارغة.
وعلى الرغم من تصريحات ترامب بأنّه حقّق العديد من الإنجازات من الزيارة إلا أنه هو نفسه لم يستطع تحديد أيّ منها، ولم يتمكن من تسويق أية منجزات.
لقد بدأت بتلكما الزيارتين للصين - والتي باتت محجّاً للزعماء - لقد بدأت الصراعات الحقيقية بين الأقطاب الدولية على تحديد شكل النظام الدولي الجديد، لا سيما بين أمريكا والصين، إذ تحاولان توجيه دفة النظام العالمي، وتحديد طبيعته وفق رؤيتيهما الاستراتيجية، وما يتمخض عنهما من القدرة على التحكم بالجوانب الاقتصادية والسياسية والعسكرية العالمية.
تعلن الصين ظاهرياً أنها لا تريد بناء أحلاف دولية، وأنها لا تسعى إلى تقسيم العالم إلى معسكرات، وأنها لا تود تكرار استخدام أدوات ومُفردات لغة الحرب الباردة، ولا تتبنّى مفاهيمها، فالصين تُظهر للجميع علاقاتها مع كل دول العالم من خلال الشراكات الاقتصادية المُتاحة، وتقول بأنّها تقف على مسافة واحدة من الجميع، فلا تنحاز لأحد دون الآخر، وأنّها لا محاور لديها ولا أحلاف، وأنّ شراكاتها مفتوحة أمام الجميع.
لكن هذا الطرح الفلسفي النظري لرؤيتها للموقف الدولي يتناقض عملياً مع خصوصية علاقاتها مع روسيا التي أصبحت تمثل شراكة استراتيجية خاصة معها.
لقد بدا ذلك واضحاً بالمقارنة بين الزيارتين، فزيارة ترامب للصين بدت فيها القيادة الصينية حذرة جداً إزاءها، وكانت متحفظة تجاهها في كل أقوالها ومواقفها، لا سيما التي تتعلق بشؤون التكنولوجيا والتجارة، بل وبدت أكثر حذراً وغموضاً في الشؤون السياسية المتعلقة بإيران ومضيق هرمز وتايوان، وأمّا في الأمور الاستراتيجية والدولية فكانت أكثر صمتاً وضبابية. بينما غلب على زيارة بوتين للصين طابع الانسجام والأريحية بين الدولتين، فتم تأكيد وتعميم الشراكة الشاملة مع روسيا اقتصادياً واستراتيجياً، كما تم التأكيد على الرؤية السياسية المشتركة بين الدولتين في موضوع بناء عالم متعدد الأقطاب، والتوافق على رفض النظام الدولي أحادي القطبية الذي تخطط له أمريكا وتحاول فرضه على العالم.
فالعلاقات بين الصين وروسيا في حالة دفء غير معهودة وهي تتطور في كل المجالات خاصة في المجال الاقتصادي وبصورة أخص في موضوع النفط والغاز والعناصر النادرة، فضلاً عن التوافق التام في العلاقات الاستراتيجية وفي مسألة التعددية القطبية.
ففي المجال الاقتصادي وفي لغة الأرقام أصبحت الصين هي المستورد الرئيسي لصادرات الطاقة الروسية بأسعار تفضيلية تصب في صالح الاقتصاد الصيني، إذ استوردت الصين من روسيا في الشهرين الأولين من هذا العام 2026 نحو 21.8 مليون طن برميل من النفط وهو ما يمثل زيادة قدرها 41% مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، وقد عوّض هذا الاستيراد النقص في إمدادات الطاقة الصينية من دول الخليج عبر مضيق هرمز، ومن فنزويلا التي استسلمت للهيمنة الأمريكية الكاملة بعد اعتقال رئيسها مادورو.
لقد أصبحت روسيا منذ عام 2025 وقبل اندلاع الحرب على إيران أكبر مورد للطاقة إلى الصين، حيث صدّرت إليها 101 مليون طن من النفط الخام و49 مليار متر مكعب من الغاز وذلك عبر خطوط الأنابيب والغاز الطبيعي المسال، وتسعى روسيا في المستقبل إلى زيادة إمدادات الطاقة إلى الصين عبر خط الأنابيب المقترح (قوة سيبيريا 2) والذي سينقل الغاز الروسي إلى الصين مباشرة عبر منغوليا.
وفي المقابل ما زال الحوار التكنولوجي والتجاري مع أمريكا خصوصاً فيما يتعلق بتصدير المعادن النادرة من الصين إلى أمريكا متعثراً، وما زالت مسألة سماح أمريكا ببيع الأجيال الجديدة من الرقائق الإلكترونية الأمريكية للصين تراوح مكانها، بالإضافة إلى عدم التقدم في مسألة الرسوم الجمركية المتبادلة التي لم يتم التوافق عليها، وكذلك في موضوع التجارة البينية بين الطرفين، وفي مسألة شراء الصين لفول الصويا من أمريكا، وفي مسألة بيع طائرات بوينغ الأمريكية للصين.
وفي المحصلة فإن الصين تتعامل ببرود وحذر مع أمريكا، بينما تتعامل مع روسيا بحميمية وانسجام وهو يعني أن المشهد الدولي الجديد بدأ يتشكل من قطبين رئيسيين وهما أمريكا والصين وانحازت روسيا فيه للصين بشكل واضح، بينما أوروبا تتباعد عن أمريكا ولا تقترب من الصين، وهي تبحث لها عن مكان بين القوى الكبرى الأربعة.
وهذا التبلور للتعددية القطبية المقبلة سيأخذ منحنى صعباً، وسيستغرق وقتاً طويلاً نسبياً حتى يستقر على حاله الجديد، وسيفسح هذا التبلور المجال لقوى جديدة بالظهور من خلال ثغرات تتسع في الموقف الدولي الذي غالباً ما يتشكل تدريجياً، وستكون دولة الإسلام هي القوة الصاعدة الجديدة بإذن الله والتي ستقلب تلك التوازنات الدولية رأساً على عقب، وتكون هي الدولة الأولى عالميا بلا منازع.






















رأيك في الموضوع