أعلنت الإمارات انسحابها الرسمي من منظمة أوبك وتحالف أوبك بلس بتاريخ 1/5/2026. هذا القرار، الذي قد يبدو للوهلة الأولى مجرد خطوة اقتصادية فنية لزيادة الإنتاج من 3.4 مليون إلى 5 ملايين برميل يومياً، هو في الحقيقة مؤشر لتغيرات مهمة قد تحدث على النظام المالي العالمي الحالي، والذي يعكس صراعات دولية مختلفة. ومع ذلك، فإن الإمارات تأمل أن تزيد من إنتاجها للنفط كي تتمكن من تمويل مشاريع ضخمة تعمل على تنفيذها، خاصة خط التجارة الدولي IMEC، والذي يصل بين موانئ الهند الغربية وموانئ جبل علي وخليفة في الإمارات، ومن بعدها خطوط السكك الحديدية التي تربط الإمارات بميناء حيفا المحتلة مروراً بالسعودية والأردن. فوجدت الإمارات في حاجتها إلى رفع سقف إنتاجها من البترول ذريعة للانسحاب من منظمة أوبك وأوبك+.
صحيح أن هذا الانسحاب يضعف أوبك، ولو من الناحية الشكلية والسياسية، إلا أن دول أوبك وأوبك+ ليست عاجزة عن تعويض إنتاج الإمارات وتوزيع حصصها على باقي الدول. أما الإمارات، فمن أجل تسويق نفطها بعيداً عن أوبك، فإنها ستضطر إلى البيع بأسعار تقل عن أسعار أوبك، إضافة إلى أنها ستعتمد بشكل أكبر على الشركات العالمية العاملة فيها، مثل شركتي النفط البريطانية BP وShell، والفرنسية Total.
تم تأسيس منظمة الدول المصدرة للنفط أوبك عام 1960 على يد خمس دول هي: السعودية، والعراق، والكويت، وإيران، وفنزويلا. واللافت أنها جميعها، باستثناء فنزويلا، كانت تخضع لنفوذ بريطانيا، ما يرجح أن منظمة أوبك منذ نشأتها كانت تخدم مصالحها. وقد انضمت الإمارات إلى أوبك عام 1967، ولم تكن قد (استقلت) بعد؛ فكانت تُعرف بإمارة أبو ظبي. إلا أن نفوذ بريطانيا السياسي قد انحسر عن أوبك بعد أن تمكنت أمريكا من استبداله في السعودية والعراق، ومن ثم بالسيطرة العسكرية على الكويت عام 1991، ومن التخلص من النفوذ الإنجليزي في إيران منذ عام 1979. بمعنى أن الدول المؤسسة جميعها، بما فيها فنزويلا، أصبحت خاضعة لأمريكا بشكل أو بآخر.
لقد أدركت أمريكا أهمية منظمة أوبك بشكل كبير بعد أن قررت التخلي عن نظام الذهب المالي، والتخلص من اتفاقية بريتون وودز الخاصة باعتماد الذهب أساساً لإصدار الدولار بمعدل 35 دولاراً لكل أونصة ذهب. وقد وجدت ضالتها في البترول، الذي يعتبر عصب الحياة الاقتصادية عالميا. ورغم أن أوبك لم تكن تحت سيطرة أمريكا، وأن ملك السعودية فيصل لم يكن عميلاً لها، فقد استطاعت التأثير على مؤسسة أوبك وزعيمتها السعودية عبر إغرائها بإمكانية رفع أسعار النفط بما يزيد على خمسة أضعاف، من 2.25 دولار إلى 12 دولاراً ما بين 1972 و1974، والتي تمت من خلال حرب تشرين عام 1973 التي شنتها مصر وسوريا ضد كيان يهود. وهكذا استغلت أمريكا أوبك بشكل فعال جداً، أدى إلى نشوء نظام البترودولار، الذي يقضي بإصدار الدولارات بما يتناسب مع حجم تجارة النفط التي تتم باستخدام الدولار حصرياً.
وبقي هذا النظام مستقراً بشكل كبير إلى أن انضمت تسع دول جديدة إلى منظمة أوبك، بما عُرف منذ عام 2016 بمنظمة أوبك+. ومنذ ذلك الوقت بدأ التكهن بإمكانية الاتجار بالنفط خارج نطاق الدولار، إلى أن وصلت نسبة ما يتم تداوله من النفط خارج نظام البترودولار إلى 20% من حجم التداول العالمي. وبما أن الإمارات الآن أصبحت في حل من الالتزام ببيع النفط بالدولار، فإن حجم مبيعات البترول خارج منظومة البترودولار مرشح للزيادة.
صحيح أن الدول النفطية، سواء في أوبك أو أوبك+، تملك الحقول، إلا أن السيطرة الحقيقية على سعر النفط لا تزال قابعة في عواصم الاستعمار الحديث والقديم: أمريكا وبريطانيا، وبدرجة أقل فرنسا، عبر ما يُعرف بشركات النفط الست العظمى: إكسون موبيل، شيفرون، كونوكو فيليبس الأمريكية، وشل، وشركة بي بي البريطانية، وشركة توتال الفرنسية.
هذه الشركات ليست مجرد كيانات اقتصادية، بل هي أذرع سياسية تعمل وفق استراتيجية السيطرة من الخارج. فبينما تمتلك الدول الاحتياطيات المادية، تسيطر الشركات الست على تكنولوجيا الاستخراج العميق، وشبكات التكرير العالمية، والأهم من ذلك أنها تملك تجارة النفط الورقي عبر بورصات نيويورك ولندن، حيث يتم تداول براميل ورقية/وهمية تعادل ثلاثين ضعف النفط الحقيقي، وهنا يتم تحديد السعر وفقاً لمصالح الصناديق الاستثمارية الكبرى في وول ستريت وحي المال في لندن، ما يجعل الدول النفطية رهينة لتقلبات بورصات لا تملك فيها حق التصويت.
إن النظر إلى النفط كأداة استعمارية ليس مجرد استحضار للتاريخ، بل هو واقع معاش في عام 2026. فالسيطرة على منابع الطاقة والممرات المائية لنقل النفط عبر القارات تعني السيطرة على نبض الصناعة العالمية، والتحكم في مراكز القوى التي تحتاج إلى هذا العصب ولا تملك شيئاً منه، كأوروبا والصين. وأمريكا اليوم تستخدم النفط كأداة للعقوبات بشكل مباشر، كما هو حاصل مع إيران والخليج، أو غير مباشر، كما هو الحال مع أوروبا والصين. أما روسيا وبريطانيا، فهما في منأى من هذه العقوبات بشكل مباشر، نظراً لامتلاكهما حقول نفط، أو شركات نفط عملاقة، مثل شركة شل وشركة بي بي، التي استحوذت على شركة أموكو الأمريكية.
أما من حيث خسارة أمريكا لما قيمته 20% من مقدرتها على إنتاج الدولارات بسبب بيع النفط خارج منظومة الدولار، فقد عمدت أمريكا منذ سنوات إلى إنشاء نظام جديد لإنتاج الدولار لتعويض خسارتها المالية، أو في نهاية المطاف لاستبدال نظام البترودولار كلياً، خاصة إذا كانت المحافظة عليه تقتضي صراعات جيوسياسية مستمرة. فقد عمدت منذ أكثر من 15 سنة إلى البدء بالتعامل بنظام تبادل العملات، والذي أطلق عليه البنك الفيدرالي الأمريكي اسم خطوط التبادل. وتسعى أمريكا إلى تطويره في نهاية المطاف ليحل محل نظامي البنك وصندوق النقد الدوليين، لتتخلص نهائياً من مخلفات النظام المالي الذي نشأ بعد الحرب العالمية الثانية من خلال اتفاقية بريتون وودز. وللمفارقة، فإن أمريكا كانت قد تخلصت من البند الخاص بقاعدة الذهب في خضم حرب ضروس في الشرق الأوسط، وها هي تسعى إلى تغيير أو إنهاء ما تبقى من بريتون وودز عبر حرب أكثر ضراوة في الشرق الأوسط، الأمر الذي من شأنه أن يزيد من فقر الشعوب والارتكاس أكثر فأكثر في حمأة الضنك والفقر.
وتتجلى بشاعة هذا النفوذ الاستعماري عند النظر إلى الدول التي تملك الذهب الأسود ولكنها تعيش في ظلام الفقر. فنيجيريا، وهي أكبر منتج للنفط في أفريقيا، تمثل المثال الأكثر إيلاماً؛ فبينما تحقق الشركات الكبرى، مثل شل وتوتال، أرباحاً بمليارات الدولارات من حقول الدلتا، تعاني البلاد من نسب فقر تتجاوز 40%، وتدهور بيئي كارثي، وفقدان للأمن الغذائي! كذلك الحال في إندونيسيا، التي كانت يوماً عضواً فاعلاً في أوبك قبل أن تعلق عضويتها، فبسبب غياب التكنولوجيا المحلية والاعتماد المفرط على الشركات الأجنبية في الحفر والتنقيب، تحولت إندونيسيا من دولة مصدرة إلى دولة مستوردة للنفط لتلبية احتياجات سكانها الهائلة، ما وضع ميزانيتها تحت رحمة أسعار البورصات العالمية التي تسيطر عليها مراكز التداول في تكساس ولندن!
لقد كشفت تقارير منظمة أوكسفام في نيسان/أبريل 2026 أن الشركات الست الكبرى تحقق أرباحاً تقارب 3,000 دولار في الثانية الواحدة، ما يعكس حجم النهب المنظم للثروات؛ ففي الوقت الذي تعاني فيه دول الجنوب من ديون خانقة وتبعات التغير المناخي، تستخدم هذه الأرباح لتعزيز القوة المالية للمساهمين في الغرب، ولشراء الولاءات السياسية، وشن الحروب على الشعوب.
إن التحرر الحقيقي للدول النفطية لا يبدأ بالخروج من المنظمات فحسب كما فعلت الإمارات ومن قبلها قطر، بل بامتلاك ناصية التكنولوجيا، وتأسيس مراكز تسعير مستقلة قادرة على كسر احتكار البورصات الغربية. وقبل ذلك وبعده، لا بد من التحرر من التبعية السياسية لأمريكا وبريطانيا في جميع شؤون الحياة. وبدون ذلك، سيبقى برميل النفط سلسلة تربط مقدرات الشعوب في نيجيريا وإندونيسيا وغيرها من الدول النفطية بعواصم القرار الغربية وحجر الرحى الاستعماري، تحت مسمى التجارة الحرة والمصالح المشتركة!