ابتداء ما تم التعارف عليه دوليا وإقليميا بالقضية الفلسطينية، هو توصيف غير دقيق للقضية. فالأصل هو أن أهل فلسطين هم جزء من الأمة الإسلامية وفلسطين هي ملك لكل المسلمين. ولكن مع هدم دولة الإسلام، وتقسيمها إلى دويلات، جعلت الحدود بينها خطوط مرسومة على خرائط وضعها الكافر المستعمر. وأما ما اصطلح عليه بالقضية الفلسطينية فهي في حقيقتها قضية اغتصاب يهود لفلسطين وإقامة كيانهم المسخ في هذه البقعة المباركة من بلاد المسلمين.
ولما كان يهود قوم بهت، واشتهروا بالمراوغة والابتزاز، والاستمرار في الطلب وعدم الرضا بما يحصلون عليه، بدأت قضية نشوء كيانهم واحتلاله تأخذ أبعادا كثيرة. وقد استغل يهود الموقع الاستراتيجي لكيانهم في قلب البلاد الإسلامية، والذي اختارته بريطانيا ليكون رأس حربة للغرب الكافر للحيلولة دون ظهور دولة الخلافة التي تآمرت عليها بريطانيا مع القوميين العرب والترك في الفترة نفسها التي تم القرار بإنشاء هذا الكيان اللقيط.
من هنا فإن القضية في حقيقتها هي قضية إنشاء كيان ليهود في فلسطين بأمر من رأس الكفر بريطانيا وتواطؤ رخيص مع عملائها في المنطقة من العرب والترك، ورضا باقي دول الغرب الكافر. ومنذ إنشاء كيان يهود رسميا عام 1948 على جزء من أرض فلسطين، وحصوله على تأييد دولي رسمي، فقد وضع لنفسه تصورات حتمية لاستمراره رأس حربة للمستعمر الكافر في قلب البلاد الإسلامية. وتشمل أمورا ثلاثة:
- توسيع الحدود: فمنذ أن تمكنت بريطانيا من إنشائه سنة 1948، وكيان يهود يسعى لاغتصاب ما تبقى من أرض فلسطين مدعيا أن حدوده الحالية هشة، وليس لديها العمق الاستراتيجي الكافي، خاصة وأنه يتوقع أن يصبح وطنا لكافة يهود العالم. ولتحقيق هذا البعد، عمد وبالتواطؤ مع حكام الدول المجاورة لاحتلال قطاع غزة وما تبقى من فلسطين سنة 1967، وأصبحت الضفة الغربية للأردن. وبالرغم من أن توسعه قد بقي تحت مسمى احتلال إلا أنه وضع استراتيجية طويلة الأمد لضم ما اغتصبه عام 1967 ليصبح جزءا منه.
- يهودية الدولة: فقد عمدت الحركة الصهيونية المحلية والعالمية على اعتبار كيان يهود وطنا قوميا لليهود فقط، والحفاظ على هودنة كيان يهود. ولم يخف يهود هذا الهدف الاستراتيجي بل عملوا بالقوة على تشريد أهل فلسطين من أراضيهم ابتداء من عام 1948، حيث ارتكب يهود مجازر أثارت الرعب والهلع كتلك التي حدثت في كفر قاسم ودير ياسين وغيرهما. وقد احتدم الحديث عن التهجير القسري إبان الحرب الأخيرة على قطاع غزة، وأعمال العنف والقتل وهدم البيوت في الضفة الغربية وتهجير أهلها من أراضيهم وبيوتهم، والتي توجت أخيرا بقرار تسجيل أراضي الضفة الغربية في بعض مناطق الضفة، لتصبح تحت سيطرة كيان يهود مباشرة، ومن الناحية العملية ليتم ضمها له رسميا.
- التفوق الاستراتيجي: حيث يصر كيان يهود على أن يتمتع بتفوق عسكري استراتيجي في المنطقة، بحيث يتمكن من الدفاع عن نفسه وردع أي عمل عسكري قد يهدد وجوده. ويتمتع كيان يهود بقوة عسكرية كلاسيكية هائلة من حيث أنظمة الدفاع الجوي والطيران والصواريخ والطائرات المسيرة، بالإضافة إلى منظومة سلاح نووي قادرة على حسم أي معركة قد تهدد وجوده. وتقتضي استراتيجية التفوق الاستراتيجي أن لا تتمكن أي دولة في المنطقة من امتلاك أسلحة نووية كتلك التي يتم الحديث عنها في إيران.
هذا هو أصل القضية في فلسطين؛ فهي ليست قضية لاجئين، ولا قضية فلسطين أو أهل فلسطين، بل هي قضية يهود وكيانهم، وتوسعه وتهجير أهل فلسطين إلى مناطق خارجها، والتفوق الاستراتيجي خاصة النووي. وقد تولت القضية في النظام الدولي وعلى المستويين العالمي والإقليمي إلى ما اصطلح عليه بقضية فلسطينية، ومحتواها الرئيسي يكمن في مسألتين؛ الأولى: إنشاء دولة للفلسطينيين يعترف بها أهل فلسطين والدول العربية خاصة، على أنها هي دولة لأهل فلسطين الذين تم طردهم من أراضيهم وبلادهم من أجل إيوائهم في مكان يطلق عليه اسم دولة فلسطين. والأخرى هي مسألة اللاجئين التي مضى عليها 78 عاما حتى الآن، والتي لا بد من إنهائها من خلال كيان يطلق عليه اسم فلسطين. وبجعل هذه هي القضية المحورية في المنطقة، يكون كيان يهود قد تجاوز خطوطه الحمراء التي تقضي بإزالته وإعادة أرض فلسطين كاملة لأصحابها الشرعيين وهم الأمة الإسلامية وأهل فلسطين جزء جوهري منها.
من هنا كانت الدول في مختلف أنحاء العالم، سواء أكانت من الدرجة الأولى كبريطانيا وفرنسا وروسيا والصين، أو من الدرجة الثانية كباقي الدول الأوروبية، أو الثالثة كتلك القائمة في أفريقيا والشرق الأوسط وآسيا، ومنها الدول التي يقطنها مسلمون، هذه الدول تسعى بشكل مكثف ودائم إلى إيجاد دولة لأهل فلسطين، ليس لأن قضيتهم هي العنوان، بل لأن إيجاد كيان لهم يسمى دولة فلسطينية، يجعل من كيان يهود كيانا راسخا، تزول عنه صفة الاحتلال مطلقا، ولا يعتبر معتديا على أرض الغير. وعلاوة على ذلك، وفي حال إنشاء كيان لكافة أهل فلسطين سواء من كانوا داخلها أو في مخيمات الأردن وسوريا ولبنان، أو في الهجر الواسع، ستنشأ مسألة أخرى لدى يهود وهم قوم بهت كما ذكرنا.
هذه المسألة ستنشأ عن اعتبار وجود أهل فلسطين السابق في المنطقة التي تعتبر كيانا ليهود، سيكون ذلك الوجود بمثابة احتلال أهل فلسطين لأرض يهود. فبدل أن يكون اليهود محتلين لفلسطين، سيصبح أهل فلسطين بمثابة المحتلين لأرض "يهودا والسامرة" وفلسطين التاريخية. وهذا ليس ببعيد عن يهود، والذين سيطالبون بتعويضات مالية إلى أمد غير محدود.
أما كيف سيتم إنشاء كيان لأهل فلسطين، وأين، وعلى أي هيئة فهذه مسألة قائمة، لم يبت بها على وجه نهائي. فأمريكا ترى أن ضم 30% من أراضي الضفة الغربية لكيان يهود أمرا معقولا، وإقامة الدولة فيما يتبقى من الأرض. وكيان يهود يرى أن شرق الأردن الذي يشكل أهل فلسطين فيه أكثر من 60% من السكان، يصلح لأن يكون كيانا لأهل فلسطين سواء بشكل كامل أو بالتقاسم مع أهل الأردن. أما الدول العربية ومنها الأردن فلا وزن لما ترى وما تقبل به أو ترفض. فهي دويلات قبلت على نفسها أن تكون منفعلة بالأحداث لا فاعلة، وقبلت على نفسها التبعية المطلقة لأسيادهم في الغرب الذين أوجدوا كيان يهود ليبقى رأس حربة لهم يستعملونه لقمع أي محاولة لإعادة القوة للمنطقة تحت راية الإسلام.
هذا ما تخطط له دول الاستعمار الكافرة، وهذا ما يريده يهود في المنطقة، وهذا ما تواطأ عليه الخونة حكام المسلمين. أما ما تريده الأمة الإسلامية فهو بلا شك اقتلاع كيان يهود من جذوره، بل واقتلاع الكيانات الكرتونية في بلاد المسلمين كاملة، وإقامة مكانها كيان واحد مخلص، قائم على عقيدة الإسلام ونظامه، حامل لواء الإسلام ورايته، مخلص لرب العالمين، ولا يحسب حسابا إلا لله الواحد القهار.






















رأيك في الموضوع