منذ أن وضعت الحرب العالمية الأولى أوزارها وأُسقطت الخلافة عام 1924م، والشرق الأوسط يرزح تحت وطأة نفوذ القوى الدولية، حيث صيغت المنطقة على وجه يحول دون عودة الخلافة، كما استُخدم موقعها الجغرافي ومصادر الطاقة كالنفط والغاز والممرات المائية أدوات في الصراع على النفوذ العالمي. وقد ورثت أمريكا معظم مخلفات إمبراطورية بريطانيا الاستعمارية على مدار العقود السبعة الماضية سواء عبر الانقلابات العسكرية أو الحروب الطاحنة أو القواعد العسكرية أو العولمة المالية، ساعية لبناء نموذجٍ من الهيمنة طويلة الأمد مستخدمة دول المنطقة نفسها لتضمن استقرار مصالحها عبر أدوات إقليمية تخفف عنها كلفة الهيمنة.
وتعمل الاستراتيجية الأمريكية اليوم وفق إطار يوزع أعباء السيطرة على أربعة أركان إقليمية حسب ما ورد في تقرير مفصل من معهد بروكينجز الاستراتيجي سنة 2018. حيث وردت فيه أسماء الدول التي تراها أمريكا مناسبة لمساعدتها في تأمين استقرار وأمن جيوسياسي في المنطقة وهي تركيا وإيران والسعودية وكيان يهود. ومفهوم الأمن والاستقرار الجيوسياسي يعني الحفاظ على الوضع الجغرافي بعد إعادة هيكلة خرائطه، والحفاظ على الأنظمة السياسية وتبعيتها وخضوعها للهيمنة الأمريكية. وقد وضعت أمريكا أهدافا محورية ثلاثة لهيمنتها على المنطقة تتمثل في:
1- استمرار تدفق النفط والغاز والمعادن النادرة دون أي عوائق.
2- استمرار التجارة البحرية عبر الممرات المائية المهمة في المنطقة.
3- الحيلولة دون ظهور أي نظام سياسي قد يهدد النفوذ الأمريكي في المنطقة والوضع الدولي الذي تتحكم فيه أمريكا، والمقصود هنا دولة الخلافة الراشدة.
وسبب ترشيح هذه الدول للاضطلاع بهذه المهمة الاستعمارية يعود إلى أن تركيا تمثل الجسر بين الناتو والبلاد الإسلامية كما أن لتركيا مصلحة تاريخية في الحيلولة دون عودة الخلافة للمنطقة. أما إيران فقد أثبتت فاعلية في إدارة ملفات شائكة كأفغانستان والعراق وسوريا لصالح المشروع الأمريكي، كما أنها من المنظور الطائفي الذي يطغى عليها تعتبر قيام نظام إسلامي حقيقي في المنطقة يؤدي إلى كشف زيفها ونفاقها فيما يتعلق بإسلامية نظامها. وأما السعودية، فقد أدت دورها التاريخي كحارس لنظام البترودولار الذي مكن أمريكا من تحقيق هيمنة عالمية مطلقة للدولار منذ عام 1974، كما قدمت ولا تزال نمطا من التصور يحارب الإسلام السياسي، ويعمل على شرعنة الأنظمة القائمة وحمايتها من الشعوب الإسلامية. وأخيراً كيان يهود، الذي منذ إيجاده من خلال وعد بلفور سنة 1917 اعتُبر قاعدة عسكرية واستخباراتية متقدمة لحماية المصالح الغربية عامة وبريطانيا خاصة ومن ثم أمريكا؛ وقد رشح هذا بشكل صريح خلال العدوان الغاشم على غزة منذ عام 2023. أما الضامن لعمل هذه الدول لتحقيق الهيمنة المطلقة على الشرق الأوسط فهي أمريكا وروسيا، بعيداً عن أي منافسة صينية أو أوروبية. وقد رأينا كيف قامت روسيا بدورها كاملا في سوريا حتى إذا انتهت المهمة ودخلت سوريا حكومة وشعبا تحت هيمنة أمريكا، خرجت روسيا من الساحة وكأنها لم تكن!
بيد أن هذا التصميم الأمريكي يصطدم بعقبة بنيوية من داخله، تتمثل في طبيعة كيان يهود كونه المصدر الأكبر لعدم الاستقرار. ويتجلى ذلك في مطالب جوهرية له، قد تصطدم بالرؤية الأمريكية للمنطقة، أو تتطلب جهدا وزمنا أكبر، وحروبا طويلة الأمد كتلك التي نشهدها في غزة. وتظهر معضلة الكيان في أمور ومطالب يعدها استراتيجية وخطيرة، وتتمثل في:
- إغلاق ملف الدولة الفلسطينية: إن إصرار كيان يهود على الضم الفعلي للأراضي وتوسيع المستوطنات يغلق الباب نهائياً أمام أي أفق لنشوء دولة فلسطينية مستقبلاً. وهذا التصور يضع تركيا والسعودية في مأزق أمام شعبيهما، ويفضح عجز النموذج الأمريكي. كما أنه يقضي على علاج قضية فلسطين التاريخية والمتمثلة باحتلال فلسطين وتهجير معظم أبنائها إلى مناطق مختلفة في العالم. وهذا الأمر وحده كاف للحيلولة دون الاستقرار الجغرافي السياسي في المنطقة حسب الرؤية الأمريكية.
- عقيدة التهجير والسيادة اليهودية: يتبنى الكيان الغاصب فكرة يهودية الدولة العنصرية، وتوسيع الحدود الجغرافية، ما يدفع المنطقة نحو موجات جديدة من التهجير القسري حتى من الكيان نفسه. هذه السياسة تعمل على إبقاء المنطقة على صفيح ملتهب يقوّض هدف الاستقرار الذي تنشده أمريكا لاستكمال مشروعها الإقليمي.
- التفرد والتفوق الاستراتيجي: يرفض كيان يهود الانخراط في أي حالة توازن إقليمي، ويصر على التفوق العسكري والنووي المطلق، والذي يجعل أركان النموذج الأخرى (إيران، وتركيا، والسعودية) مجرد توابع قلقة. ولا يزال الكيان يهدد بتوجيه ضربات حاسمة لإيران للحيلولة دون امتلاكها السلاح النووي. وهذا يتعارض مع مبدأ أمريكا المتعلق بالتوازن الإقليمي، والذي لا يسمح لدولة في أي إقليم أن تنفرد بالتفوق الاستراتيجي، كما نرى في إقليم الهند الصينية حيث التوازن النووي بين الصين والهند ثم بين الهند وباكستان. أما في الشرق الأوسط فيصر كيان يهود على التفرد في القوة الاستراتيجية النووية، ما يشكل عقبة كأداء أمام التصور الأمريكي للاستقرار الجيوسياسي. ولا يزال الكيان (أثناء كتابة هذا المقال) يعد العدة ويجري التمارين الخاصة بتوجيه ضربات حاسمة لإيران متحديا الخطوط العريضة لسياسة أمريكا في الشرق الأوسط.
في ظل هذا المأزق الناتج عن تعنت موقف كيان يهود، تُوظف أمريكا الركنين التركي والإيراني لخلق توازن يمنع الانفجار الكامل؛ وقد رشح مؤخرا الحديث عن تنسيق تركي إيراني لكبح جماح يهود في سوريا. والحاصل أن مطالب كيان يهود في المنطقة لا تنتهي، وقد أصبحت هي العقبة الأخيرة أمام استكمال المشروع الأمريكي الخاص بشرق أوسط آمن ومستقر وخاضع لهيمنتها المطلقة.
أما التحدي الأكبر للنموذج الأمريكي للشرق الأوسط فيكمن في دولة الخلافة، كحتمية إسلامية، ومسيرة تاريخية. هذا النموذج يرفض التجزئة القطرية والحدود الاستعمارية، ويؤكد أن الاستقرار الحقيقي لن يتحقق بتوازن قوى هش تحت إشراف أجنبي، بل بوحدة سياسية أصيلة ترد السيادة للأمة وتنهي حالة الاستعمار، معتمداً على الوحدة الفكرية والسياسية وليس على توازن القوى، والتي أنتجت قروناً من التماسك الحضاري والاستقرار الحقيقي في المنطقة حتى عام 1924م. وإذا كانت أمريكا بدأت مشروعها في الهيمنة على الشرق الأوسط منذ عام 1950 فيما يعرف بمبدأ ترومان، الذي أشار إليه وزير خارجيتها دين أتشيسون في مذكراته "حاضر في التكوين" (Present at the Creation)، "إن الاستراتيجية الأمريكية بعد الحرب العالمية الثانية اعتمدت على الإمساك بزمام المبادرة حيثما تراجعت الامبراطوريات"، وإعادة بناء نظام عالمي تحل فيه القوة الأمريكية، بعسكريتها واقتصادها وأيديولوجيتها، محل الوجود الإمبراطوري البريطاني، دون أن تبدو القوة الأمريكية في حد ذاتها استعمارية. ومنذ عام 1950 حتى الآن حققت أمريكا مكاسب كثيرة على الأرض تتمثل بهيمنتها على معظم بلدان الشرق الأوسط وإيجاد قواعد عسكرية في بلدان أخرى. ومع ذلك لم يكتمل مشروعها بعد أن قضت في تنفيذه حتى الآن 75 عاما متواصلة وأنفقت عليه مئات المليارات من الدولارات وأزهقت أرواح ملايين من المسلمين.
أما المشروع الإسلامي الذي يقوده حزب التحرير، فقد بدأ بعد المشروع الأمريكي بثلاث سنين (1953). وبعد مضي 73 عاما من الصراع الفكري والكفاح السياسي تمدد واستقر في أكثر من 50 بلداً من البلاد الإسلامية، وتمكن من إيجاد رأي عام لدى شعوبها حول ضرورة عودة الإسلام للحكم وتوحيد بلاد المسلمين بالرغم من العوائق السياسية والمالية والأمنية. ولم يبق بين المشروع الإسلامي المتمثل بإقامة دولة الخلافة على منهاج النبوة وبين انتقاله إلى الواقع ليصبح صاحب السيادة المطلقة إلا خطوة واحدة، يتحقق بها نصر الله المبين بإذن الله تعالى، ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾.






















رأيك في الموضوع