بينما تتصاعد أعمدة الدخان في سماء الخليج العربي إثر اندلاع الأعمال العدائية في الثامن والعشرين من شباط/فبراير 2026، يتركز اهتمام العالم على التحركات التكتيكية لمجموعات حاملات الطائرات والخسائر البشرية الفادحة لهذا الصراع. ومع ذلك، ومن وراء حجاب الحرب الضارية، بدأت آلة قديمة وأكثر قوة في الدوران بصمت، وهي آلة طباعة النقد التابعة للاحتياطي الفيدرالي الأمريكي. وفي الوقت الذي يترنح فيه الاقتصاد العالمي تحت وطأة الفقدان المفاجئ لعشرين بالمائة من إمدادات النفط العالمية نتيجة تعطل الملاحة في مضيق هرمز، تستعد الإدارة الأمريكية لتنفيذ مناورة نقدية تحاكي في أبعادها أكبر تحول سياسي-ماليٍّ شهده القرن العشرون.
تتجلى حقيقة الأزمة في لغة الأرقام الباردة لنظام "النفط مقابل الدولار". فقبل اندلاع الحرب، كان الاقتصاد العالمي يستهلك قرابة مائة مليون برميل يومياً بمتوسط سعر سبعين دولاراً للبرميل، ما كان يتطلب سيولة نقدية يومية تقدر بسبعة مليارات دولار يؤمّن أكثرها بنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي. أما اليوم، ومع وصول سعر برميل خام برنت إلى حدود مائة وعشرة دولارات والمرشح أن يرتفع أكثر، فإن حجم التجارة الدولية يحتاج إلى أحد عشر مليار دولار كل أربع وعشرين ساعة. هذا التحول يخلق فجوة سيولة عالمية هائلة تبلغ أربعة مليارات دولار يومياً، أو ما يقرب من مائة وعشرين مليار دولار شهرياً. ونظراً لأن النفط يُسعّر عالمياً بالدولار الأمريكي حصراً، فإن الطلب العالمي على "الورقة الخضراء" قد قفز فعلياً بنسبة تتجاوز الخمسين بالمائة في قطاع الطاقة وحده. فبالنسبة للاحتياطي الفيدرالي، لا يمثل هذا الموقف أزمة، بل فرصة ذهبية لتوسيع الكتلة النقدية (M2) وتصدير التضخم إلى الخارج، حيث يمتص العالم هذه الدولارات الجديدة لتلبية حاجته الملحة لشراء الطاقة، ما يخفف من حدة التضخم داخل أمريكا.
إن هذا المشهد يمثل صدىً تاريخياً صارخاً لعام 1973، حين قادت السعودية حظراً نفطياً أدى لرفع الأسعار لأكثر من عشرة أضعاف، ما أغرق العالم في فوضى اقتصادية. ومع ذلك، نبت من رحم تلك الفوضى اتفاق "نيكسون-فيصل" الشهير، الذي ضمن أن تبيع دول منظمة الدول المصدرة للبترول (أوبيك) النفط حصرياً بالدولار، ما مكن أمريكا من تجاوز تبعات إلغاء ربط الدولار بالذهب في اتفاقية بريتون وودز. واليوم، نشهد تعزيزا لآلية البترودولار. فكما مكنت أزمة السبعينات أمريكا من التحرر من قيود الذهب، تسمح الحرب الحالية مع إيران للاحتياطي الفيدرالي بإنتاج تريليونات الدولارات اللازمة لتغطية أسعار الطاقة الجديدة، ما يتيح لأمريكا دعم هيمنتها العالمية عبر فرض ضريبة غير مباشرة على احتياجات العالم من الطاقة.
بيد أن عبء هذا التوسع النقدي يقع بالكامل على عاتق الدول المستوردة للنفط، حيث يمثل الصراع الحالي كارثة مطلقة للصين والاتحاد الأوروبي. فخلافاً لأمريكا التي أصبحت اليوم مصدراً للنفط ومصدراً للعملة الاحتياطية العالمية، تواجه هذه القوى ارتفاعاً جنونياً في أسعار الطاقة دون أي إمكانية للتعويض. الصين، أكبر مستورد للنفط في العالم، ترى هوامش ربحها الصناعي تتبخر تحت ضغط تكلفة الطاقة، بينما تقع أوروبا في فك كماشة بين الأسعار المرتفعة والعجز الهيكلي عن طباعة العملة اللازمة لسداد تلك الفواتير، ما يقلل من فرص تحررها من هيمنة أمريكا والتي لا تزال تداعب أحلامها. ورغم أن روسيا تستفيد بكل تأكيد من ارتفاع الأسعار على المدى القصير، إلا أن مكسبها يظل تكتيكياً ومرتبطاً بطرق شحن معقدة، بينما يظل مكسب أمريكا استراتيجياً بامتياز، متجذراً في نسيج النظام النقدي العالمي نفسه.
أما داخل أمريكا، فإن هذا النصر الاستراتيجي يأتي بثمن يدفعه الشخص العادي في كل مرة يتوقف فيها عند محطات الوقود. فرغم أن الاحتياطي الفيدرالي يستفيد من تصدير التضخم، إلا أن سعر الوقود حالياً يظل مرتبطاً بسعر البرميل العالمي. حيث يواجه المستهلك الأمريكي اليوم ما يمكن تسميته بـ"الضريبة الاستراتيجية" لهذه الحرب، حيث يدفع أسعاراً قياسية للوقود في الوقت الذي تصبح فيه عملة بلاده أكثر أهمية ولا غنى عنها لبقية دول العالم. ويمثل هذا الثمن كلفة الحفاظ على نموذج الإدارة الإقليمية القائم على التبعية، حيث تستفيد أمريكا بشكل غير مباشر من الأزمة عبر إجبار العالم على إعادة الاصطفاف خلف الدولار، حتى لو أدى ذلك لعواصف من الاستياء الشعبي.
لقد جردت الحرب التي بدأت في الثامن والعشرين من شباط/فبراير الوهم القائل بأن الاقتصاد العالمي ساحة محايدة، وكشفت عن نظام يقوم على الهيمنة السيادية والتبعية المطلقة. ومن خلال دفع العالم للتسابق للحصول على مزيد من الدولارات لشراء كميات أقل من النفط، يقوم الاحتياطي الفيدرالي فعلياً بإعادة ترسيخ هيمنة أمريكا لقرن جديد. إن الزيادة المتوقعة في إنتاج الدولار ليست حادثاً عرضياً ناتجاً عن الحرب، بل هي النتيجة المنطقية لنظام صمم ليزدهر في قلب الأزمات. وكما أثبت التاريخ عام 1973، فإن الأمر لم يكن يتعلق بالنفط فحسب، بل ببقاء الدولار كملك متوج على عرش الاقتصاد العالمي، وهو الرهان الذي تعيد واشنطن لعبه اليوم بكل ثقلها.
أما أين البلاد الإسلامية من كل هذا الأخطبوط العالمي؟ فالحقيقة التي لا تزال تزداد مرارة وحنظلة، هي أن بلادنا لا تزال مرتعا لأمريكا، تضربها ذات اليمين وذات اليسار، وتجعلها ساحة لغطرستها العسكرية والمالية، فتزهق أرواح المسلمين بمئات الآلاف بل الملايين كما كان في أفغانستان وفلسطين وسوريا واليوم في إيران، دون أن يكون هناك أي أمل بأي تفكير أو تخطيط لجني ثمار التضحيات والتخلص من فرعون العصر أمريكا. وهي كما يقول المثل (على نفسها جنت براقش). فالأمة الإسلامية لا تزال تحت وطأة حكامها الظلمة الفجار، تبتعد عن أسباب النصر والنهضة. وتراها يشتد صراخها وعويلها عند الحديث عن وحدة يوم الصيام ويوم الفطر، وتراها تبحث وتناقش وتتحدى وأحيانا تتجبر، ولكنها عند الحديث عن مصيرها ومستقبلها في الدنيا والآخرة تضع أصابعها في آذانها، كحال من ذكرهم الله تعالى في سورة لقمان: ﴿وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّىٰ مُسْتَكْبِراً كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْراً فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾، أو كما ورد في سورة نوح: ﴿وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَاراً﴾.






















رأيك في الموضوع