تمر ذكرى تحرير سيناء الرابعة والأربعون ومصر تقف عند مفترق طرق تاريخي، ليس فقط بسبب الأزمات الاقتصادية الخانقة، بل لوقوعها في قلب إعصار جيوسياسي يعيد صياغة المنطقة بالدم والنار. إن الخطاب الأخير الذي ألقاه السيسي يمثل ذروة التناقض بين لغة السيادة وواقع التبعية، وهو ما يستوجب قراءة تحليلية تعيد ربط الحاضر بالماضي لتكشف زيف المسار الذي سارت فيه الدولة منذ توقيع اتفاقيات السلام مع كيان يهود الغاصب.
لقد تطور الخطاب الرئاسي المصري عبر أربعة عقود من لغة النصر الدبلوماسي إلى لغة القلق الوجودي. ففي عهد مبارك، كان الخطاب احتفالياً يركز على استعادة طابا والسيادة القانونية، وكأن استرداد الرمل هو غاية المراد، بينما كانت سيناء تتحول عملياً إلى منطقة عازلة منزوعة السلاح في أجزاء واسعة منها، ما جعلها رهينة لترتيبات أمنية تخدم أمن الاحتلال أكثر مما تخدم السيادة المصرية! ومع انتقال السلطة، بقي جوهر الخطاب ثابتاً: التمسك بـ"السلام" كخيار استراتيجي وحيد، وهو ما أدى تدريجياً إلى تآكل أوراق القوة المصرية وتحول الدولة من قائد للمنطقة إلى وسيط يبحث عن التهدئة بأي ثمن!
وعندما نصل إلى الخطاب الأخير، نجد فقرة مفصلية تستوقف كل ذي بصيرة، حيث أشار السيسي إلى أن منطقة الشرق الأوسط تمر بظروف دقيقة ومصيرية، وتشهد مساعي مدبرة لإعادة رسم خريطتها تحت دعاوى أيديولوجية متطرفة. هذا الاعتراف بوجود مخطط لإعادة رسم الخريطة هو إقرار صريح بفشل منظومة الأمن القومي التي قامت على فرضية أن السلام سيحمي الحدود. والمفارقة المذهلة هنا هي أن الخطاب، رغم تشخيصه لعمليات الاحتلال والتدمير وسفك الدماء، لم يجرؤ على ذكر اسم (إسرائيل) صراحة، واكتفى بالإشارة إليها عبر أوصاف مبهمة! هذا العجز اللفظي ليس مجرد حذر دبلوماسي، بل هو اعتراف بحدود القوة ومؤشر على أن السيادة التي يتم الاحتفال بها هي سيادة منقوصة الإرادة، لا تستطيع حتى تسمية عدوها الوجودي الذي يهدد حدودها الشرقية علانية!
إن النتائج التي نخلص إليها من تتبع هذا المسار تؤكد أن عودة سيناء جغرافياً لم تكن سوى ذر للرماد في عيون أهل مصر لإخفاء حقيقة الاستسلام السياسي والاقتصادي. لقد تمت مقايضة الأرض بالإرادة، وأصبحت مصر، التي كانت تتباهى بامتلاكها مشروعاً إقليمياً وبالقومية العربية، رهينة للمعونات والديون والاتفاقيات المكبلة، فالسيادة الحقيقية ليست مجرد رفع علم على رقعة أرض، بل هي امتلاك قرار الحرب والسلم، وتطوير القوة الرادعة التي تمنع الآخرين من التفكير في إعادة رسم خرائط جغرافيا البلاد الإسلامية. وما يحدث اليوم في غزة، والتهديد المباشر للأمن القومي المصري على محور فيلادلفيا، هو النتيجة الطبيعية لسياسة التبعية والمهادنة التي انتهجتها الدولة لعقود، ظناً منها أن الالتزام بالمعاهدات سيجلب الاستقرار، بينما كان كيان يهود يستخدم هذا الوقت لتمكين مشروعه الاستيطاني وتفكيك الدول المحيطة به واحدة تلو الأخرى.
وهنا يبرز السؤال الجوهري: ما هو المخرج من هذا النفق المظلم؟ إن الحل الجذري لا يكمن في تحسين شروط التبعية أو تغيير نبرة الخطاب، بل في تغيير الأساس الذي تقوم عليه الدولة والمنطقة برمتها. إن الأزمة ليست في نقص الموارد أو غياب الجغرافيا، بل في غياب المشروع الحضاري الذي يستمد قوته من عقيدة الأمة وهويتها الإسلامية. والحل يبدأ بالاعتراف بأن المسار الخياني الذي بدأ بكامب ديفيد قد أدى إلى طريق مسدود، وأن الدواء الوحيد هو التغيير الجذري لخط السير.
ويتمثل هذا الحل في إلغاء كافة المعاهدات التي تكبل سيادة الأمة، والتحلل من التبعية للنظام الدولي الذي تقوده أمريكا الاستعمارية، وتوحيد طاقات الأمة في ظل الخلافة الراشدة على منهاج النبوة التي تمتلك العمق الاستراتيجي والبشري والموارد التي تجعل منها نداً للقوى الكبرى بل وتتفوق عليها. ففي هذا الإطار فقط، تتحول سيناء من رهينة إلى منصة انطلاق، وتصبح القوة النووية والتكنولوجية مطلباً سيادياً لا يجرؤ أحد على منعه، لأن الدولة حينها ستستمد شرعيتها وقوتها من سلطان الأمة وليس من النظام الدولي.
إن حماية سيناء وغزة ومنع إعادة رسم الخرائط، لن يتحقق بالحلول السياسية والمفاوضات التي أثبتت فشلها على مدار 44 عاماً، بل بامتلاك القوة الحقيقية التي لا ترهن قرارها للخارج. كما أن الخطاب الذي يدعو للتعاون والبناء مع محتل يدمر البلاد ويسفك الدماء هو خطاب من يحاول السباحة ضد تيار الأمة الجارف، لعل الغرب يعصمه منه!
إنَّ تحرير الأرض دون تحرير الإرادة هو سجن أوسع بأسوار غير مرئية، وما سيناء اليوم إلا شاهد على عجز الدولة الوطنية المقيدة باتفاقيات الذل عن حماية أمنها أو نصرة أمتها. وإن الاستمرار في هذا المسار ليس فشلاً سياسياً فحسب، بل هو مقامرة بمصير أمة بأكملها أمام عدو لا يرقب فيها إلاً ولا ذمة.
لذا، فإنَّ العبء اليوم لا يقع على كاهل الخطباء والسياسيين المكبلين، بل يقع على عاتق المخلصين في جيش الكنانة؛ فيا أحفاد صلاح الدين والظاهر بيبرس، إنَّ دواء هذا المسار الفاشل بين أيديكم، وإنَّ تغيير خط السير يبدأ بقراركم الشجاع. إننا ندعوكم دعوةً مخلصة، لا لطلب سلطة زائلة، بل لإعطاء النصرة لحزب التحرير ليقيم الخلافة التي تقتلع جذور التبعية من أرضنا، وتضع حداً لهذا الارتهان المهين، وتقود الأمة نحو العبور الحقيقي؛ عبور يكسر قيود كامب ديفيد، ويسقط حدود سايكس بيكو، ويجمع شتات الجيوش تحت راية واحدة، لتبدأ مصر ومعها الأمة الإسلامية السير في الاتجاه الصحيح نحو العزة والتمكين. إنَّ التاريخ لا يرحم المترددين، وإن الله ناصر من ينصره، فأروا الله من أنفسكم خيراً، وكونوا أنتم الأنصار في زمن عز فيه النصير.
* عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر