الرعاية الصحية ليست مسألةً فنيةً أو خدميةً بحتة، بل هي في جوهرها تعبيرٌ عن نظرة النظام إلى الإنسان أهو قيمةٌ مكرّمةٌ لذاته، أم مجرد رقمٍ في سوق المصالح والموازنات؟ ومن هنا فإن واقع الرعاية الصحية في مصر وسائر بلاد المسلمين اليوم يكشف بوضوح طبيعة النظام الرأسمالي الذي يحكمها، ويُظهر التناقض الصارخ بينه وبين نظام الإسلام الذي يجعل رعاية شؤون الناس فرضاً على الدولة لا منّةً ولا تجارة.
في مصر، كما في غيرها من بلاد الإسلام، تتكدّس المستشفيات الحكومية بالمرضى، ويقف الناس في طوابير طويلة من أجل كشف أو عملية أو سرير عناية مركزة. أجهزة معطّلة، نقص في الأدوية، هجرة للأطباء، وتفاوتٌ طبقيٌّ صارخ بين من يملك ثمن العلاج في المستشفيات الخاصة ومن يُترك لقدرِه في مرافق عامة تعاني الإهمال. وتُبرَّر هذه الحال بضيق الموارد واشتراطات القروض وإصلاحات مالية تُخضع كل بندٍ من بنود الإنفاق لمعيار الربح والخسارة.
هذا الواقع ليس خللاً عابراً، بل هو نتيجة طبيعية لعقيدةٍ سياسيةٍ واقتصاديةٍ تجعل المنفعة المادية هي المقياس، وتجعل الدولة حارساً للأسواق لا راعياً للرعية. فمنذ أن فُرض النموذج الرأسمالي على بلاد المسلمين عقب هدم الخلافة، وتقسيم الأمة، تحوّلت قطاعات الصحة والتعليم والمرافق العامة إلى مجالاتٍ للخصخصة والاستثمار. وصار الإنسان يُقاس بقدرته على الدفع، لا بصفته إنساناً له حقٌّ في الحياة والرعاية.
إن النظام الرأسمالي، الذي تبلور تاريخياً في أوروبا مع صعود الثورة الصناعية ثم انتشاره في الغرب، قد نشأ على أساس فصل الدين عن الحياة، وجعل السيادة للشعب والتشريع للبشر. وبهذا الأساس نفسه تُدار السياسات الصحية في الغرب؛ حيث التأمين الصحي شركاتٌ تجارية، والمستشفيات مؤسساتٌ ربحية، والعلاج سلعة. صحيح أن بعض الدول كـأمريكا وبريطانيا وفرنسا قد طوّرت أشكالاً مختلفة من التأمين العام، لكن المبدأ الحاكم واحد إخضاع الصحة لمنطق السوق والموازنة والضرائب، لا لمنطق الفرض الشرعي والرعاية الواجبة.
أما في بلاد المسلمين، فالأمر أشدّ قسوة؛ إذ جُمعت تبعيةٌ سياسيةٌ واقتصاديةٌ للغرب مع فسادٍ إداريٍّ داخلي، فكان الناتج نظاماً صحياً هشّاً، يُستنزف فيه الطبيب، ويُهان فيه المريض، وتستدين فيه الدولة لتسدد ربا القروض بدل أن تبني مستشفياتٍ أو تُنشئ مصانع أدوية. ويُقال للناس: اصبروا، فهذه إصلاحات لا بدّ منها!
لكن ما الذي يقوله الإسلام في هذه المسألة؟ إن الرسول ﷺ حين أقام دولته في المدينة، لم يترك رعاية شؤون الناس للمبادرات الفردية أو لآليات السوق، بل جعل رعاية الشؤون كلها ومنها الصحة من واجباته بصفته حاكماً. فقد روى مسلم عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله ﷺ قال: «كُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ؛ الْإِمَامُ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ». وهذا نصٌّ صريح في أن رعاية شؤون الناس مسؤولية الحاكم، يُحاسَب عليها أمام الله.
وفي دولة الخلافة عبر تاريخها، لم تكن الرعاية الصحية تجارةً ولا ترفاً، بل كانت خدمةً ورعاية تقدّمها لرعاياها مجاناً مسلمين وغير مسلمين على حد سواء. فقد أنشأ الأمويون والعباسيون ثم العثمانيون البيمارستانات في دمشق وبغداد والقاهرة وقرطبة، وكانت مجهّزةً بالأطباء والصيادلة والأدوية، ويتقاضى العاملون فيها رواتبهم من بيت المال، لا من جيوب المرضى. ولم يكن المريض يُسأل عن قدرته على الدفع، بل يُسأل عن علّته ليُعالَج.
إن الفارق الجوهري بين النظامين ليس في التفاصيل الإدارية، بل في الأساس العقدي. فالرأسمالية ترى الإنسان فرداً يسعى وراء منفعته، وتُقيم المجتمع على التنافس، وتجعل الدولة حَكَماً بين المصالح. أما الإسلام فيرى الإنسان عبداً لله مكرّماً، ويجعل الدولة أداةً لتنفيذ أحكام الشرع، وتحقيق العدل، ورعاية الشؤون. ولذلك فإن الرعاية الصحية في دولة الخلافة ليست بنداً خاضعاً للمساومة، بل واجب شرعي تُصرف له الأموال من بيت المال.
كما أن الإسلام يحرّم الاحتكار، ويمنع تحويل الضروريات إلى أدوات ابتزاز. فلا يجوز لشركةٍ أو فردٍ أن يحتكر دواءً أو يرفع سعره استغلالاً لحاجة الناس، قال النبي ﷺ: «مَنْ احْتَكَرَ فَهُوَ خَاطِئٌ». فكيف يُسمح في ظل الرأسمالية لشركات الأدوية أن تتحكم في الأسعار، وللمستشفيات الخاصة أن تفرض أرقاماً فلكيةً على العمليات الجراحية؟
ثم إن النظام الاقتصادي في الإسلام لا يقوم على الضرائب الدائمة التي تُثقل كاهل الناس، بل على موارد شرعية محددة. كما أنه يحرّم الربا تحريماً قاطعاً، فلا تستنزف الدولة ميزانيتها في سداد ربا الديون، بل توجّه أموالها إلى الرعاية والخدمات. وبذلك تتوفر الإمكانات لبناء منظومة صحية متكاملة، ليست مرهونة لإملاءات المؤسسات المالية الغربية.
وليس معنى ذلك أن دولة الخلافة ستكون دولة شعاراتٍ عاطفية، بل دولة حديثة تستخدم أحدث التقنيات في الطب والبحث العلمي. فالإسلام لا يعادي العلم، بل يحث عليه. وقد كان المسلمون في عصور ازدهارهم روّاداً في الطب والجراحة والصيدلة، ودوّنوا المصنفات، وأنشأوا المدارس الطبية، وسبقوا أوروبا بقرون. وهذا التقدم لم يكن منفصلاً عن طبيعة الدولة التي ترعى العلم وتعتبره قوةً للأمة.
أما اليوم، فإن تدهور الرعاية الصحية في مصر وسائر بلاد المسلمين هو نتيجة خيارٍ سياسيٍّ واقتصاديٍّ معيّن. خيار الارتهان للرأسمالية، والقبول بتقسيم الأمة، وترك كل قطرٍ يواجه أزماته منفرداً. ولو كانت الأمة موحّدةً في دولةٍ واحدة، تملك ثرواتها النفطية والمعدنية والزراعية، وتُحسن توزيعها وفق أحكام الشرع، لما عجزت عن إنشاء منظومة صحية تتفوق على ما عند غيرها.
إن الألم الذي يعيشه المرضى اليوم، ومعاناة الأسر التي تبيع ممتلكاتها لعلاج أبنائها، ليست مجرد قصصٍ إنسانية، بل شواهد على فشل نظامٍ كامل؛ نظامٍ يجعل حياة الإنسان سلعة، ويجعل المستشفى مشروعاً استثمارياً، ويجعل الطبيب مهاجراً يبحث عن تقديرٍ ماديٍّ خارج بلده.
إن البديل ليس ترقيعاً إدارياً ولا زيادةً طفيفةً في الموازنة، بل تغييرٌ جذريٌّ في الأساس الذي تُدار به الدولة والمجتمع. تغييرٌ يعيد السيادة للشرع، ويجعل الحكم بما أنزل الله، ويقيم دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، فتعود الرعاية الصحية كسائر الشؤون حقاً مكفولاً لكل فردٍ من الرعية.
وختاماً، فإن قضية الصحة ليست ملفاً فنّياً يُناقَش في لجانٍ برلمانية، بل هي أمانةٌ في أعناق الحكام، ومسؤوليةٌ على الأمة أن تسعى لإقامة النظام الذي يحققها على وجهها الصحيح.
﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً﴾
بقلم: الأستاذ سعد سمير
عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر






















رأيك في الموضوع