من الواضح أنّ الفجوة بين أمريكا وأوروبا قد اتسعت سياسياً واقتصادياً واستراتيجياً، وأنّ ذلك لم يحصل بينهما منذ الحرب العالمية الثانية.
فالمسألة بينهما لم تقف عند حد فرض أمريكا الرسوم الجمركية العالية على واردات الصلب والألومنيوم والتي اعتبرت عقوبات عليها وكأنّها دول منافسة أو عدوة لأمريكا، ولا اقتصرت على الأسعار العالية لإمدادات الطاقة الأمريكية التي تستوردها أوروبا من أمريكا بشكلٍ متزايد بعد حرب أوكرانيا التي قطعت بسببها إمدادات الطاقة الروسية بالأسعار الرخيصة بسبب الحرب.
فثقة قادة أوروبا بأمريكا كانت أصلاً قد اهتزت بشدة خاصة بعد مطالبة ترامب بضم جزيرة غرينلاند وكندا، واهتزت مُجدّداً عندما احتقرهم ترامب ولم يشاركهم في مفاوضات أمريكا وروسيا حول أوكرانيا، وبدا لهم جلياً أنّ إدارة ترامب باتت تميل لصالح روسيا على حساب أوروبا.
وانعكست مواقف أمريكا الفجّة هذه على الدول الأوروبية التي راحت تبحث عن شراكات جديدة خارج الفضاء الأطلسي، فذهب كل من رئيس وزراء بريطانيا ستارمر ورئيس فرنسا ماكرون إلى الصين للبحث عن مصالحهما هناك بعيداً عن المجال الأمريكي، وهو ما أزعج ترامب وإدارته إزعاجاً شديداً، كونهما صارا ينسّقان مع الصين وهي عدو أمريكا دون التفاهم معها.
وقامت فرنسا ولأول مرة في تاريخها بسحب ما تبقى لها من ذهب في خزائن أمريكا، ومنعت إسبانيا الطائرات الأمريكية المتجهة إلى إيران من التحليق فوق أجوائها، وعلّقت هي وإيطاليا مذكرات تفاهم عسكرية مع كيان يهود، وقرّرت ألمانيا الاعتماد على نفسها في إعادة التسلح بعيداً عن المظلة الأمريكية، ففرضت التجنيد الإجباري على القادرين على حمل السلاح لأول مرة منذ الحرب العالمية الثانية.
وبدأ الحديث عن إنشاء حلف ناتو أوروبي جديد بدون أمريكا وذلك بعد أنْ هاجم ترامب الحلف عدة مرات، واعتبره عبئاً على أمريكا، وهدّد بتقليص التزام أمريكا في مساهماتها للحلف إذا لم ترفع الدول الأوروبية ميزانيات دفاعها فيه، وهو ما جعل أوروبا تفكر جدياً في أمنها بعيداً عن المظلة الأمريكية.
وبانسحاب ترامب من اتفاقيات دولية عديدة أضرت بالأوروبيين كثيراً وأهمّها اتفاقية باريس للمناخ والتي أظهر ترامب فيها تجاهلاً واضحاً لمصالح أوروبا الأمنية والبيئية، وهو ما حمل الدول الأوروبية على النظر إلى أمريكا في عهد ترامب كشريك ثقيل الظل ومفروض عليها بدل أنْ يكون حليفا موثوقا ومأمونا.
ومع ظهور مؤشرات كثيرة لدى الأوروبيين دلت على أنّ إدارة ترامب باتت ترى في أوروبا عدواً معيقاً لعودة أمريكا عظيمة ثانية وفقاً لشعارات حركة ماغا الداعمة لترامب، لاحظ الأوروبيون أنّ سياسات ترامب أصبحت تُفضّل التعاملات الثنائية مع أوروبا بدل التعامل مع الاتحاد الأوروبي ككتلة موحدة، وأنّها تدعم الأحزاب الشعبوية والقومية المتطرّفة مع كل دولة على حدة بمعزل عن التعامل مع الأوروبيين كاتحاد.
ودفعت سياسات أمريكا هذه أوروبا بشكل متسارع نحو السير باتجاه الانفصال عن أمريكا والانكفاء على نفسها وتعزيز قدراتها الدفاعية والصناعية الخاصة بها لمواجهة احتمالية تخلّي أمريكا كلياً عن حمايتها.
وبعد حرب إيران صب ترامب جام غضبه على قادة أوروبا لعدم مشاركتهم له في حربه ضد إيران، فراح يؤنبهم ويستخف بقدرات دولهم، ويعمل كل ما بوسعه على إيذائهم وإحراجهم بل حتى احتقارهم!
تقول التقارير الأخيرة إنّ إدارة ترامب تدرس حالياً مراجعة موقفها التاريخي الداعم لسيادة بريطانيا على جزر فوكلاند المجاورة لسواحل الأرجنتين بسبب عدم دعم ستارمر لحرب أمريكا على إيران، وذلك باستخدامها كأداة ضغط سياسية لحمل بريطانيا على السير خلفها في الحرب، واستغلت حكومة خافيير ميلي الأرجنتينية المقربة من إدارة ترامب هذا الشرخ بين أمريكا وبريطانيا فدعا وزير خارجيتها البريطانيين للعودة إلى طاولة المفاوضات لإنهاء ما وصفه بالوضع الاستعماري في الجزيرة، وردّت بريطانيا على تلك الدعوة بالرفض، وقالت بأنّ سيادة بريطانيا على فوكلاند غير قابلة للتفاوض، وأنّ استفتاء عام 2013 الذي أجري فيها أكّد على اختيار السكان البقاء تحت حكم التاج البريطاني.
وهكذا أصبحت فوكلاند ورقة ضغط ومقايضة جديدة تستخدمها أمريكا في خلافاتها السياسية مع بريطانيا والتي كانت تعتبر أقرب دولة حليفة لها.
لقد أحدثت سياسات ترامب فوضى سياسية بين الحلفاء وأحدثت شرخاً واسعاً من الصعب جسره، ولقد تعدّت الخلافات بين الأوروبيين وأمريكا الجوانب السياسية والاقتصادية إلى الجانب الحضاري والقيمي حيث هاجم ترامب بشدة القيم الليبرالية الأوروبية، وركّز على الثقافة الإنجيلية (النصرانية)، وعلى سيادة العرق الأبيض، وعلى إعلان الحرب الشعواء على الهجرة بطريقة فجة لا يستطيع الأوروبيون تحمّلها لحاجتهم الماسة إلى الهجرة بسبب الشيخوخة التي تعاني منها غالبية دولهم.
إنّ حرب أمريكا على إيران قد زادت الهوة بينها وبين وأوروبا ووسّعت دائرة الشقاق بينهما وهو ما أدّى إلى إعادة بريطانيا لسياسة التقارب أكثر مع الاتحاد الأوروبي بنفس قدر تباعدها عن أمريكا، خاصة مع توالي التصريحات الأمريكية التي تتحدّث عن القطيعة بين الحليفين السابقين، وآخر هذه التصريحات ما قاله وزير الحرب الأمريكي بيت هيغسيث من أنّ "الوجود العسكري الأمريكي في أوروبا لن يكون أبدياً"، وهو ما يسرع في إجبار أوروبا على التفكير بجدية في ما يجب أن تفعله بعيداً عن دعم أمريكا الذي اعتادت عليه منذ ثمانين عاماً إذا قررت أمريكا فجأة سحب درعها الدفاعي، وهو أمر غير مستبعد، خاصة وأنها في حالة حرب استنزاف طويلة مع روسيا في أوكرانيا.
فجيوش أوروبا اعتمدت في الثمانين عاماً الماضية على دعم أمريكا غير المحدود، وإنّ تعويض ذلك الدعم سيستغرق وقتاً طويلاً ويستنفد إمكانيات كبيرة، ويتطلّب الكثير من الأموال.
قال وزير دفاع بلجيكا ثيو فرانكن لفايننشال تايمز "إنّ غالبية أنظمة الدفاع الأساسية في أوروبا كانت من الولايات المتحدة، وعندما نتحدث عن طائرات F-35 وعن أنظمة الصواريخ أرض- جو، فهي كلها أمريكية تقريباً"، وأضاف: "إنّ طائرات شينوك الأمريكية هي الخيار الأفضل فيما يتعلق بالطائرات المروحية الثقيلة"، وكذا سائر الأسلحة.
ومشكلة أوروبا الرئيسية أنها غير موحدة في قراراتها المصيرية، فمثلاً مسألة الدفاع عن أوكرانيا أمام روسيا تختلف فيها دولها اختلافاً يضعفها إلى حد كبير، فقد اعترضت بولندا على إرسال جنودها إلى أوكرانيا وهي الدولة الواقعة في الخطوط الأمامية، وتمتلك أحد أكبر الجيوش في أوروبا، فقد قال مسؤول بولندي: "ببساطة لا تمتلك بولندا القدرة الإضافية لإرسال قوات إلى أوكرانيا"، مُتذرّعاً بأنّ بولندا لها حدود طويلة مع جيب كالينينغراد الروسي وبيلاروسيا المتحالفة مع روسيا، والتي تحتاج إلى تعزيزها بقوات بولندية.
ويبدو أنّ العبء العسكري في الدفاع عن أوكرانيا يقع فقط على عاتق بريطانيا وفرنسا إذ توافقتا على الفكرة، بينما قال مستشار ألمانيا أولاف شولتز متهرباً من تحمل المسؤولية: "إنّ أي نقاش حول إرسال قوات حفظ سلام إلى أوكرانيا سابق لأوانه تماماً وغير مناسب للغاية"، مع أنّ الحرب مستمرة في أوكرانيا والحاجة مُلحة لإرسال قوات إليها.
وقد أقرّ رئيس وزراء بريطانيا ستارمر بأنّ "الأوروبيين سيضطرون إلى تكثيف الجهود سواء من حيث الإنفاق أو القدرات التي نقدمها لأوكرانيا"، وقد بدأ الأوروبيون بإدراك ضرورة القيام بالمزيد من الإنفاق على الدفاع والاعتماد على الذات بشكل أكبر، فقال رئيس وزراء هولندا ديك شوف: "لقد فهمت أوروبا رسالة الولايات المتحدة بأنها يجب أن تفعل المزيد بنفسها".
إنّ هذه الفجوة بين طرفي الأطلسي لا شك بأنّها ستكون مؤشراً على قرب تغيير النظام العالمي لصالح القوى الجديدة وأولاها قوة الدولة الإسلامية القائمة قريبا بإذن الله.