بعد أنّ وقّع الرئيس دونالد ترامب مذكرةً رئاسيةً تقضي بانسحاب الولايات المتحدة من 66 منظمة دولية بدعوى أنّها لم تعد تخدم المصالح الأمريكية، حذر المدير العام لمنظمة الصحة العالمية تيدروس أدهانوم غيبريسوس الثلاثاء من أنّ قرار واشنطن الانسحاب من المنظمة والذي دخل حيز التنفيذ رسميا في كانون الثاني/يناير الجاري سيجعل الولايات المتحدة والعالم غير آمنين، وقال تيدروس: "في الحقيقة هذا ليس القرار الصحيح"، معربا عن أمله في أن تعيد الولايات المتحدة النظر في قرارها وتعود إلى المنظمة، وأضاف أنّ جزءا كبيرا من العمل الذي تقوم به منظمة الصحة العالمية مفيد للولايات المتحدة، "ولهذا السبب قلت إن الولايات المتحدة لا يمكن أن تكون آمنة دون العمل مع المنظمة".
ويشمل هذا الانسحاب 35 منظمة غير تابعة للأمم المتحدة، و31 كياناً تابعاً للأمم المتحدة، وعلّق وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو على المذكرة فقال: "أعلن الرئيس ترامب اليوم انسحاب الولايات المتحدة من 66 منظمة دولية معادية لأمريكا، أو عديمة الفائدة، أو مُهدرة للموارد، ولا يزال النظر جارياً في منظمات دولية أخرى".
وتراوحت المنظمات الدولية التي انسحبت أمريكا منها: ما بين منظمات تتعلق بالمناخ والطاقة والبيئة إلى منظمات تتعلق بالمرأة والسكان كهيئة الأمم المتحدة للمرأة، وصندوق الأمم المتحدة للسكان، أو منظمات قانونية كمنظمة القانون الدولي للتنمية، أو حتى منظمات تتعلق بالزراعة كاللجنة الاستشارية الدولية للقطن، أو غيرها من منظمات دولية كثيرة ومتنوعة.
ونقلت CNN عن مصادر في البيت الأبيض أنّ هذا الانسحاب سيؤدي إلى إنهاء تمويل دافعي الضرائب الأمريكيين ومشاركتهم في كيانات تُروّج لأجندات العولمة على حساب أولويات الولايات المتحدة، وأنّه يُفضّل توجيه أموال دافعي الضرائب الأمريكيين بطرق أخرى، وأنّ هذا الانسحاب سيحقّق وعداً أساسياً قطعه الرئيس ترامب للأمريكيين، ألا وهو التوقف عن دعم البيروقراطيين العالميين الذين يعملون ضد مصالح الدولة، وأنّ إدارة ترامب ستضع شعار (أمريكا والأمريكيين) دائماً في المقام الأول.
إنّ انسحابات أمريكا الجماعية المفاجئة هذه من عشرات المنظمات الدولية تعني فعلياً بداية هدم عملي ومنظم للمؤسسة الدولية الحالية، وتعتبر مقدمة حقيقية في التمهيد لإيجاد منظمات دولية أخرى تقوم على أسس جديدة مغايرة.
فمثلا من المنظمات التي انسحب منها ترامب تلك المتعلقة بالشريك الأوروبي مثل المركز الأوروبي للتميز في مكافحة التهديدات الهجينة، ومنتدى مختبرات أبحاث الطرق السريعة الوطنية الأوروبية، والشراكة من أجل التعاون الأطلسي، ولجنة البندقية التابعة لمجلس أوروبا، وغيرها، وكلها تشير إلى وجود قطيعة أمريكية واضحة مع الأوروبيين.
أمّا فيما يتعلق بالعولمة وما يتصل بها من تشابك المصالح والعلاقات بين دول العالم فقد انسحبت أمريكا من كل ما له علاقة بها وبالتعاون العالمي وبالعلاقات الدولية من مثل مركز التجارة الدولية، ومؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية، ومنظمات ائتلاف الحرية على الإنترنت، وصندوق المشاركة المجتمعية العالمية والقدرة، والمنتدى العالمي لمكافحة الإرهاب، والمنتدى العالمي للخبرة السيبرانية، والمنتدى العالمي للهجرة والتنمية، ومعهد البلدان الأمريكية لأبحاث التغير العالمي، والمنتدى الحكومي الدولي المعني بالتعدين والمعادن والفلزات والتنمية المستدامة، والمنصة الحكومية الدولية للعلوم والسياسات المتعلقة بالتنوع البيولوجي وخدمات النظام الإيكولوجي، والمركز الدولي لدراسة الحفاظ على الممتلكات الثقافية وترميمها.
وبذلك تكون أمريكا قد قطعت كل أواصر التعاون والتشارك مع النظام الدولي، وركّزت بدل ذلك على أحادية أو ثنائية العلاقات الدولية، ضاربة عرض الحائط بكل ما يؤدي إلى التقريب العالمي في العلاقات بين الدول وبين المجتمعات والمؤسّسات.
وكذلك انسحبت أمريكا من المنظمات الدولية الخاصة بأمريكا اللاتينية وأفريقيا وآسيا مثل اللجنة الاقتصادية لأفريقيا، والمجلس الاقتصادي لأمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي، والمجلس الاقتصادي والاجتماعي لآسيا والمحيط الهادئ، والمجلس الاقتصادي والاجتماعي لغرب آسيا، وكل هذه الانسحابات تتعلق بدول القارات الثلاث وهي آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، لأن أمريكا لا تريد علاقات دولية مُلزمة بل تريد علاقات ثنائية مع تلك الدول حيث تتحكم بها تحكماً مباشراً، ولا تريد أن تقيم علاقات دولية معها.
وحتى المفاهيم الحضارية الغربية المشتركة والتي يُراد من ناحية حضارية غربية أن تكون عالمية فقد أسقطتها أمريكا من حساباتها، إذ انسحبت من المعهد الدولي للديمقراطية والمساعدة الانتخابية، وانسحبت من المعهد الدولي للعدالة، ومن صندوق الأمم المتحدة للديمقراطية، ومن تحالف الأمم المتحدة للحضارات، ومن منظمة سيادة القانون، ومن لجنة القانون الدولي، وبذلك قامت أمريكا بتقويض المفاهيم الحضارية الغربية المشتركة وركّزت عوضاً عن ذلك على نموذجها الأمريكي الخاص بها.
وهكذا أصبحت منظمات الأمم المتحدة وقوانينها وروابطها والالتزام بها ليس أمراً مهما لأمريكا، ومن ثم ليس أمرا واجبا على سائر دول العالم، فأمريكا قد نزعت عنها صفة الإلزام والالتزام، فأزالت هيبتها، ومسّت بسيادتها، وحطّمت مرجعيتها، وأفقدتها مشروعيتها.
فتستطيع دول العالم بعد هذا الإسقاط أن تبحث لها عن مرجعيات جديدة وعن أعراف جديدة وعن منظمات جديدة، فأمريكا بانسحابها هذا بصفتها الدولة الأولى في العالم - والتي يفترض فيها حماية المنظومة الدولية الحالية - قد أعطت الذريعة للعالم دولاً ومجتمعات أن تبدأ بالبحث عن بدائل ومرجعيات حضارية وقانونية جديدة.
والحقيقة أنّه لا يوجد أمام دول وشعوب العالم اليوم ما يملأ هذا الفراغ إلا الإسلام بعقيدته وشريعته وأحكامه، وذلك لقدرته على طرح البدائل بأفكاره وأطروحاته ودولته، وليكون هو البديل الحضاري والقانوني المرجعي المقبول لجميع مجتمعات وشعوب الأرض.






















رأيك في الموضوع