قال رسول الله ﷺ: «بَشِّرُوا وَلَا تُنَفِّرُوا»، قد يظن بعض الناس أنك حين تذكّره بوعد الله وأن الخلافة قاب قوسين أو أدنى، وأن النصر قادم، وأن أمريكا في طريق الانهيار، وأننا سنحرر فلسطين وسنفتح روما قريبا، وسنحكم العالم كله بشرع الله، قد يظن أنك تعيش في عالم الأحلام، وبعضهم يظن أنك تقول ذلك وأنت غير مقتنع بأنه سيحصل قريبا بل هو من قبيل المجاز، وأن المقصود أنه ربما يحصل بعد مائة سنة أو أكثر، وآخر يقول إنك تنفذ أوامر الحزب أو الشيخ لأنه طلب منك أن تقول هذا الكلام، فأنت تردده بلا تفكير، لكن الحقيقة أن الاستبشار بوعد الله سبحانه هو أولاً أمرٌ من الله تعالى الذي خلقنا وهو أعلم بما يصلح حالنا.
يقول الله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللهِ قَرِيبٌ﴾، قل لهم يا محمد إن النصر قريب، قل لهم يا عبد الله إن النصر قريب، قل لمن يعمل معك أن لا ييأس فالنصر قريب، قل للأمة أن تغذ الخطا لتحقيق ذلك، قل لهم إن الخلافة قريبة، قل لهم إن سقوط أمريكا قريب، قل لهم إن الخلافة ستبلغ ما بلغ الليل والنهار قريبا، وقريبا سنحكم الدنيا بعدل الإسلام، قل لهم إن من كان مستضعفا سيصبح إن شاء الله أميرا على بلد من البلدان كما قال الصحابي عتبة بن غزوان الذي أسلم أول البعثة النبوية في مكة وعمل مع النبي ﷺ والصحابة في فترة الاستضعاف لإقامة دولة الإسلام، فقال رضي الله عنه: "فما أصبح اليوم منا أحد إلا أصبح أميرا على مصر من الأمصار". بعد الضعف والتعذيب وأكل أوراق الشجر يصبح أميرا، سبحان الله الذي جعل العاقبة للمتقين وإن شاء الله سنشهد تغير حالنا في هذا الزمان، وكيف سيصبح حامل الدعوة العامل لإقامة الخلافة، والمطارد من أجهزة المخابرات، والمعذب في السجون، كيف سيصبح واليا على الهند، أو فرنسا، أو قاضيا في بريطانيا، أو خليفة على الدنيا يسوسها بشرع الله.
والنبي ﷺ حين أمر الصحابة بأن يبشروا الناس بالخير كان ذلك امتثالا للوحي ولما أراد الله، ثم ما يتبع ذلك من نتائج تتحقق عاجلا أو آجلا. والنبي ﷺ كان يدفع الصحابة للعمل فكان يبشرهم بوعد الله واقتراب الفرج، وأن ذلك قريب حقا حتى لو لم ندركه أو ندرك قربه، وليس ذلك بطول أمل أو تواكل بل نور رباني يرشد الطريق، وكذلك فإن الخبر المقرون مع المدح في اللغة العربية وأصول الفقه يفيد الطلب، فعندما قال ﷺ: «لَتُفْتَحَنَّ الْقُسْطَنْطِينِيَّةُ، وَلَنِعْمَ الْأَمِيرُ أَمِيرُهَا، وَلَنِعْمَ الْجَيْشُ ذَلِكَ الْجَيْشُ» فهم الصحابة ذلك بشكل صحيح فتحركوا من يومها نحو القسطنطينية لفتحها، فدفن الصحابي أبو أيوب الأنصاري على أبوابها، ومسجد أيوب سلطان في إسطنبول شاهد على بطولاته، حتى تحققت البشارة بعد ما يقارب من 800 عام.
فالاستبشار بالخير والنصر يقصد منه السياسي أن يزيد العاملين لنصرة الإسلام اندفاعا في طريقهم وشحذا لهممهم، لأن الكفار وأعوانهم يسعون دائما لبث اليأس والانهزام في قلوب العاملين وسائر الأمة حتى تقعد عن العمل للتغيير. فالطريق طويل والعمل شاق، ولا يدرك الإنسان كم قطع من مسافة للوصول إلى الغاية، ومتى ستقوم الخلافة، وكم تبقى لسقوط أمريكا، ومتى النصر، ومتى تتحرر فلسطين، ومتى يغرق الفرعون وتسقط الأنظمة العميلة، لأن هذا الطريق لا يمكن قياسه بالمتر، ولا بالأجهزة والمختبرات، ولا تستطيع أن تقول إن المسافة 10 خطوات تقدمنا سبع خطوات مثلا وبقيت ثلاث. فكان لا بد من خطاب آخر يحفز العاملين من جهة ومن جهة أخرى يكشف الحقيقة أن كل عمل تقوم به يؤثر فعلا في الناس وكأنها خطوة من الخطوات في طريق التغيير، فكل عمل من الأعمال السياسية في طريق التغيير والعمل لإقامة الخلافة وجعل الإسلام مسيطرا على كل الدنيا، كل عمل في هذا الطريق له تأثيره حتى لو كان قليلا في نظر كثير من الناس، لكنه كبير عند الله، فلا تحقرن من أعمال الدعوة والسياسة شيئا فإن الجبال من الحصى، والثورات تنتج من الكلمات، والانقلابات من الاتصالات والزيارات، والنصرة من الوقفات والمنشورات، والحركات من البيانات والمسيرات، والنهضة والتغيير من الخطب ومن الدروس والكلمات والحلقات والجلسات...
إلا أنه على السياسي أن يكون حذرا عندما يبشر الناس بوعد الله بأن العاقبة للمتقين، فلا ينجر في كلامه إلى افتراض أمور غير صحيحة مثل تحديد موعد ووقت النصر أو حصول حدث معين، أو تحديد حدث كبير مثل انهيار أمريكا أن ذلك سيحصل خلال 10 سنوات مثلا، أو تحاليل سياسية لأجل التحليل فقط أو تحاليل متأثرة باشتياقنا للنصر، أو إنزال وتطبيق أحاديث آخر الزمان على ما نعيشه في أيامنا، وإشغال الناس بتلك التحليلات ومحاولة فهمها بدل أن نفهم أحاديث النبي ﷺ كما فهمها الصحابة رضي الله عنهم بأن المقصود منها هو طلب القيام بما فيها من بشريات، فالخلافة لن تقام بلا عمل، وفلسطين لن تحرر بخسف الأرض، وروما لن تفتحها الملائكة، وأمريكا لن تسقط بريح عاتية، بل بأيدينا، فأبشروا وتوكلوا على الله وشدوا الهمة أيها العاملون، فالخندق لم يكتمل بعد، والأحزاب من قريش وغطفان في الطريق، والمنافقون يتربصون بالمدينة، وهناك من خان العهد وطعن في الظهر، وعلينا التحرك نحو قصور الفرس والروم واليمن في الشام والمدائن وصنعاء، ونحن موعودون بهلاك الطغاة والجبابرة وبانتزاع سواري كسرى بإذن الله.
بقلم: الأستاذ محمود زياد عبد القادر – القدس