على وقع التحولات الجيوسياسية العميقة التي تهيمن على العالم اليوم، حيث تتهاوى أنظمة القواعد وتتشكل تحالفات الصفقات تحت وطأة القوة العارية، تجد البلاد الإسلامية نفسها أمام لحظة فارقة: إما أن تستبِق التحولات وتكتب دورها بنفسها، أو تنتظر أدواراً هامشية يملِيها عليها الآخرون. فإصرار أمريكا على إجراء مناورات "الأسد الأفريقي" على أرض تونس للعام التاسع على التوالي، واستقبال جيوشها ومعداتها، لم يعد مجرد تعاون عسكري اعتيادي، بل تحول إلى حقيقة توريط للبلاد في شبكة أهداف أمريكا الأمنية في أفريقيا. وهذا المشهد التونسي ليس معزولاً، بل هو مرآة لواقع عربي أوسع، حيث تحولت قواعد التحالف مع واشنطن إلى نقاط ضعف أكثر منها حصون حماية. فهل ما زال لدى الأمة جواب استراتيجي يحميها من الانزلاق الكامل في التبعية، أم أن فاتورة الانتظار ستكون أكبر من أي دور يمكن لاحقاً استدراكه؟
مناورات الأسد الأفريقي.. حين تصبح التبعية مشروعا سياسيا
في تونس، بات تنظيم جزء من مناورات "الأسد الأفريقي" سنوياً تقليداً سياسياً متوارثاً بين الحكومات المتعاقبة، منذ توقيع الباجي قائد السبسي سنة 2015 على أن تونس حليف استراتيجي خارجي مع حلف الناتو. لكن ما يقدَّم على أنه شراكة استراتيجية، يكشف عند التدقيق أنه مجرد توريط للبلاد في خطة أمريكية لا تخدم سوى مصالحها في أفريقيا. إن "الشريك الاستراتيجي" في قاموس أمريكا لا يعني صديقاً ولا نداً، بل مجرد فاعل يؤدي وظيفة محددة في منظومة الهيمنة الأمريكية. وما يحدث في دول الخليج يؤكد خطورة هذا الاصطفاف: فالقواعد الأمريكية المنتشرة هناك تعرضت للقصف مراراً، وحينها لم تجد تلك الدول سنداً؛ لا داخلياً ولا خارجياً، بل نظرت إليها الأمة باعتبارها قواعد عدائية شريكة في العدوان. تونس اليوم مهمة لواشنطن كموقع استراتيجي في قلب المتوسط، بين أوروبا وأفريقيا، لكن ثمن ذلك قد يكون باهظاً. فالإسلام حرم الاستعانة بالكفار، بدليل قول النبي ﷺ: «لَا تَسْتَضِيئُوا بِنَارِ الْمُشْرِكِينَ»، لأن الأحلاف العسكرية تجعل الجيوش تقاتل مع بعضها عدواً مشتركاً، وتتبادل المعلومات والأدوات الحربية. وأمريكا اليوم التي تعاني من جنون العظمة وتخبط سياسي وانقسام داخلي حاد بين ديمقراطيين وجمهوريين، لم تعد مأمونة حتى من حلفائها، وهي التي جعلت حربها الأساسية على الإسلام، وما تشهده غزة وإيران ولبنان خير دليل.
تونس وخطر الاستقطاب
في خضم العاصفة التي تهز حلف شمال الأطلسي، تبرز تونس كخط تماس مباشر لهذه التحولات الكبرى. ملفات ليبيا والساحل الأفريقي، كلها مجالات تهيمن عليها أمريكا. والمؤشرات بين عامي 2024 و2026 تكشف عن ازدواجية استراتيجية واضحة لدى السلطات التونسية: ظاهرياً، تحافظ تونس على خطاب سيادي يرفض القواعد الأجنبية والإملاءات الخارجية، وتؤكد تمسكها بالحياد. لكنها عملياً، تتعمق في التعاون الأمني مع أمريكا، وتسمح بحضور متزايد للمستشارين والخبراء العسكريين الأمريكيين، بينما تظل مرتبطة عضوياً بأوروبا.
هذه المعادلة الدقيقة - أوروبا للاقتصاد، أمريكا للأمن، وخطاب سياسي للتوازن - قد تنهار فجأة إذا اشتد الخلاف بين ضفتي الأطلسي. في سيناريو الصراع المفتوح، قد تجد تونس نفسها تحت ضغط مزدوج: أوروبا تهدد بالعقوبات الاقتصادية أو تجميد المساعدات، وأمريكا تطلب دوراً عسكرياً أكبر قد يعرض تونس لردود فعل إقليمية عنيفة، خاصة من الجزائر التي تعتبر أي وجود أمريكي قرب حدودها خطاً أحمر. ومن هنا يصبح السؤال حاسماً: هل ستنجح تونس في الاستمرار كلاعب متوازن، أم ستُدفَع قسراً إلى الاصطفاف؟ المؤكد أن معادلة "أوروبا للخبز وأمريكا للسلاح والجزائر للجوار" لم تعد كافية. تونس بحاجة إلى استراتيجية جديدة كلياً إذا أرادت ألا تتحول من شريك إلى رهينة في صراع لا تملك مفاتيحه.
من التبعية إلى القيادة الحضارية
السؤال الأكبر يبقى: أين أمّة الإسلام ضمن هذه التحولات، ونحن أمة تمتلك جميع عوامل القوة والعزة؟ كيف لنا التخلص من حالة التبعية إلى المكانة التي ارتضاها لنا رب العالمين؟ الحقيقة التي لا يمكن تجاهلها هي أن الصراع الدائر اليوم بين الدول الكبرى لم يعد صراع مبادئ، بل أصبح صراع قوة ونفوذ وهيمنة خالصاً. لم يعد في الساحة العالمية مشروع مبدئي متكامل يقدم رؤية شاملة لحل مشكلات الإنسان سوى مشروع الإسلام. الأمة اليوم تمتلك بديلاً حضارياً واجباً عليها تطبيقه ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ وواجب عليها حمله للبشرية قاطبة ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾. وهذا البديل يقوم على عقيدة قائمة على العقل، بها نحمل رسالة الهدى والرحمة إلى العالم ونقيم الحجة على سائر الخلق. كما أنّ مكامن القوة في الأمة هائلة: الثروات، الطاقات، الأراضي، الممرات الحيوية، الموقع الجغرافي، الشباب، وتاريخ الخلافة التي حكمت العالم نحو ثلاثة عشر قرنا وأخرجت أوروبا من عصور الظلام. كلّ هذه المقومات تبقى حبراً على ورق دون إرادة سياسية تجمعها.
ختاماً، في زمن تتسارع فيه التحولات الدولية بوتيرة لم يسبق لها مثيل، لم يعد مقبولاً أن تنتظر أمة الإسلام دورها في قوائم الآخرين. مناورات "الأسد الأفريقي" في تونس، والارتهان الأمني لأمريكا، والمعادلات الهشة بين أوروبا وأمريكا، كلها إنذارات مبكرة بأن التبعية لم تعد مكلفة فقط، بل أصبحت مميتة للسيادة والمستقبل.
لقد أثبتت الحروب قدرة المسلمين على المواجهة؛ في إيران وقبلها العراق وأفغانستان، كل هذه العوامل تؤكد أن زمن التغيير قد هلّ، ولن يكون في لعبة التوازن بين شركاء متشاكسين، ولا بخطابات الندم، بل بخطوات عملية: الاعتزاز بالهوية وتجميع قوى الأمّة المتناثرة في كيان واحد،، ورفض الخنوع لأي قوة عظمى، مهما كان ثمن المقاطعة أو العزلة مرحلياً، لأن من لا يستطيع تحمل تكاليف القيادة، سيدفع ثمن التبعية غالياً.
بقلم: الأستاذ ياسين بن يحيى