في الوقت الذي تستعد فيه باكستان لمسرحية يوم التضامن مع كشمير في الخامس من شباط/فبراير، إذ تعيد تكرار الأناشيد وتشكيل سلاسل بشرية، ينبغي لها أن تتجاوز ضجيج الاستعراض إلى صمت وادي كشمير الخانق. فهذه الأخبار التي تُصوّر في الإعلام وتقارير الاستخبارات ليست سلاماً، بل سكون جناح في سجن تديره إدارة إجرامية تستهدف جسد الشعب وعقله وإيمانه، وبينما ينشد قادة باكستان عن "الوريد الحياتي"، فإن الواقع على الأرض يُظهر محواً منهجياً، حيث يُسلب الأموات من قبورهم، والأحياء من أصواتهم، لا ينتظرون تضامناً بل تدخلاً عسكرياً وتحركاً فعلياً للقوات المسلحة.
إن ما يُسَمّى بالاستقرار والحياة الطبيعية في كشمير ليس سوى صمت المقابر، يفرضه حصار إداري هو الأشد في التاريخ الحديث، فالدولة الهندوسية تجاوزت احتلال الأرض إلى تفكيك الإنسان المسلم، حيث تستهدف جسده وفكره واقتصاده ودينه. ومنذ ضمّ كشمير من جانب واحد في 5 آب/أغسطس 2019، واستسلام القيادة الباكستانية، لم يكن مشروع كشمير الجديدة مشروعا تنموياً، بل استعماراً استيطانياً يرمي إلى محو الهوية الإسلامية لوادي كشمير، والأرقام لا تكذب، ومع ذلك تتجاهلها القيادة الباكستانية أو توظفها بروح انتهازية لأهدافها السياسية الضيقة. ومنذ خيانة عام 2019، حبست كشمير خلف الأسلاك وتحت رقابة 900 ألف جندي يراقبون أنفاس كل فرد، ومقابر تبتلع المعارضين، وسجون تمتلئ بأصداء التعذيب، وقد استشهد عشرات الآلاف منذ تسعينات القرن الماضي، وهُتكت الأعراض في كونان وبوشبورا، وأعدمت عائلات بأكملها في زنازين الإخفاء القسري، وصارت الدماء أرقاماً بلا قيمة، لأنها دماء مسلمين في عالم يدير وجهه عن مأساتهم.
وعقب الضمّ عام 2019، عاش أهل كشمير أكثر من 550 يوماً في عزلة اتصالية تامة، كعقوبة جماعية تهدف إلى كسر روح المقاومة، وتحوّل القضاء إلى أداة للعقاب الدائم، حيث يجعل قانون مكافحة الأنشطة غير المشروعة من "العملية نفسها عقوبة"، بنسبة إدانة تقل عن 0.6% بينما يتعفن الآلاف في السجون للنيل من عزائمهم، أما قانون السلامة العامة فهو نظام "الباب الدوّار" الذي يفرج عن المحتجزين بعد سنوات ثم يعاد اعتقالهم عند بوابة السجن بقرار جديد. وفي هذه السجون، يمارس التعذيب كأسلوب منهجي لا لانتزاع اعترافات فقط، بل أيضا لكسر الإرادة. ويتم ثقب أجساد الشباب المسلم بالكهرباء والمثاقب، ويقتلون تحت التعذيب أو في مواجهات مفبركة من أجل الأوسمة والترقيات، وهذه ليست مجرد تجاوزات، بل هي إجراءات يومية لجيش طائفي محصّن بقانون السلطات الخاصة الذي يمنح أفراده حصانة كاملة.
إن الاحتلال الهندوسي يخوض معركته حتى مع الأموات؛ فهو يخاف الشهيد أكثر من المجاهد الحي، فمنذ عام 2020 لم تسلَّم جثامين الشهداء إلى ذويهم، بل تدفن في مقابر نائية غير معلّمة في بونييار، بعيداً عن مساقط رؤوسهم، وعندما تحاول أمهات مثل بارفينه أهَنگَر، ومؤسِّسة رابطة آباء المفقودين، توثيق المفقودين، تُقتحم مكاتبهن وتصادر ملفاتهن، وفيما يسمى "بكشمير الجديدة"، حتى ذكر الموتى جريمة يعاقب عليها. ونُصب شعار الدولة الهندية فوق المسجد الشريف في درغاه حضرة بل، في فعل عدواني يقصد إذلال المسلمين، بينما يغلق الجامع الكبير في سريناغار أيام الجمعة، ويسكت صوت الخطباء، ويراقَب الأئمة والدعاة، وهذه ليست حملة ضد التمرد، بل حرب على الإسلام.
"عقيدة باجوا" ووهم السلام: في الوقت الذي كانت فيه كشمير تختنق بقوانين الإقامة والدوس على المقدسات، كان قادة باكستان ينحرفون عن المسار. ففي آذار 2021 أعلن الجنرال باجوا تحوّل السياسة من "الجيوسياسة إلى الجيواقتصاد"، محدّثاً عن دفن الماضي من أجل فتح التجارة، لكن الماضي الذي أراد دفنه هو كشمير نفسها، إن هذه ليست قيادة دولة، بل عقلية تاجر منافق يبيع السلع على جثث المسلمين. وقد أصبح ملف كشمير رهينة لشروط قائمة المراقبة الرمادية في مجموعة العمل المالي وضغوط صندوق النقد الدولي، فبيعت قضية التحرير بثمن "الاستقرار المالي". وبالرغم من فخر باكستان بأنها دولة نووية، لم يمنع ذلك الهند من ابتلاع كشمير. أما ردها فكان مهزلة "احتجاج الثلاثين دقيقة" وهي لعبة سياسية لتهدئة الغضب الشعبي دون القيام بأي خطوة عملية، وأصدرت البيانات، وعقدت منظمة التعاون الإسلامي جلسات، ثم انصرف الجميع إلى موائدهم، بينما يرى مسلمو كشمير كل هذا المشهد المسرحي بعيون مفقأة بالرصاص من زنازين وسجون ومقابر صامتة. واليوم، في يوم التضامن مع كشمير في الخامس من شباط/فبراير، تحوّل الحدث إلى مجرد طقس وطني آخر، تُعزف فيه الأناشيد وتُشكّل فيه السلاسل البشرية.
تحدي السجين المهجور: رغم الخذلان ورغم بطش الاحتلال، تبقى روح المسلم في كشمير العنصر الوحيد الحر في أرض محتلة، وظنّ النظام الهندوسي أنه بإلغاء المادة 370 وإغراق الإقليم بالبيروقراطية الهندوسية سيُهندِس هوية الأرض، لكنه فشل باعترافاته ذاتها، ففي أيار/مايو 2025، خلال الحرب القصيرة بين القوات الباكستانية وجيش الدولة الهندوسية، رفعت جماهير كشمير الأكف تدعو لطائرات باكستان بالنصر، ابتهاجاً بالمعارك كما تبتَهج بانتصارات الملاعب، رفضاً لهوية المحتل. ولكن يوم الخامس من شباط/فبراير 2026 لن يختلف كثيراً عن سالفه، إلا أن بين أبناء هذه الأمة الصادقين من يشعرون بمسؤوليتهم أمام الله، ومن بين أصحاب القوة العسكرية من لا يزال يحمل في قلبه نية الفعل لا الكلام. فهذه ليست دعوة للجنرال الذي يلعب الغولف مع الدبلوماسيين الغربيين، بل للضباط الذين يسجدون في جوف الليل ويذكرون العهد والجهاد.
أيها الضباط المخلصون في جيش باكستان: أنتم أحفاد من لا يعترفون بحدود استعمارية، وحين وقف محمد بن القاسم على شواطئ السند لم ينتظر قرار مجلس الطاغوت، فكيف تنتظرون إذناً من مجلس الأمن؟! لم يستشر مؤشرات الاقتصاد، بل تحرك لنصرة امرأة مسلمة استغاثت عند طغيان راجا داهر، واليوم أربعة ملايين أخت مسلمة في كشمير يصرخن! قال تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾، لقد خانكم القادة الرويبضات، فقد خضعوا لأوامر واشنطن، وخافوا من قائمة العقوبات أكثر من خوفهم من الله، وجعلوكم حراساً لحدود رسمها الاستعمار، وحوّلوا "سيف الإسلام" إلى درع لأمريكا. ومنذ سبعين عاماً يردّدون شعار "كشمير شريان باكستان"، لكنهم رددوه كشعار لا كحقيقة. وعندما أوقفت نيودلهي معاهدة مياه السند بعد تصعيد بهلغام عام 2025، تبيّن أنها مسألة حياة وموت، لقد باعوا الشريان التجاري بالوريد الحيوي، ناسِين أن الجسد بلا وريد لا يتاجر، بل ينزف حتى الموت.
أيها الضباط الصادقون: إن الاستقرار كذبة، والعملية السلمية فخّ، والسلام الذي يسوقونه هو سلام المقابر. ولن يكتب التاريخ أن باكستان خسرت كشمير في معركة، بل إنها سلّمتها في الغرف المغلقة مقابل قروض ومجاملات دبلوماسية، وعندما تقفون بين يدي ربكم، لن يُسأل أحدكم عن رتبته أو معاشه، بل عن سبب صمته حين استغاث إخوانه به. فانظروا إلى بزاتكم العسكرية، إنها ليست زيّاً للاستعراضات، بل كفن لحماية الأمة، فلا تجعلوا التاريخ يكتب أنكم كنتم تُحيُّون الجلاد ساعة قُطع الوريد. ردوا سياسة واشنطن، وحطّموا عقيدة باجوا التي تفضّل التجارة على الدم. إنكم تملكون القوة، وتملكون الدين، وعليكم الواجب الشرعي، ولن تلقوا الله بورقة سياسية، بل بخطا المجاهد في سبيله يلوثها غبار الجهاد.
إن القيادات العميلة قيّدت الأمة بالسلاسل، وحزب التحرير يناديكم مراراً لتكسروا هذه القيود وتمنحوا النصرة لقيادته المخلصة لإقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة. فأنتم تملكون مفتاح القوة، فلا تستخدموه لإغلاق سجن الأمة بل لفتح أبواب النصر، وكونوا أنصار هذا العصر وأعيدوا درع الخلافة الذي بشّر به نبينا ﷺ.
هذه صرخة صادقة من أرض إسلامية محتلة.
بقلم: الأستاذ محمد عبد الله – كشمير المحتلة