جرت العادة أن المكتسبات التي تتحقق في ميدان المعارك تنعكس ورقة قوة يفرضها الطرف الأقوى، فالمفاوضات أسلوب يلجأ إليه السياسيون لتسوية قضايا مصيرية تجنب البلاد والعباد مؤنة استمرار القتال والحرب أو حتى بدئها، فهذا رسول الله ﷺ يفاوض المشركين نداً لند في صلح الحديبية وغيرها دون أن يقدم أي تنازل عما شرعه الله تعالى من أحكام تتعلق بالمفاوضات، وتفرق بين الدول المحاربة فعلاً والمحاربة حكماً.
وها هي جيوش المسلمين في جهادها ونشرها للإسلام كانت تفاوض قبل بدء القتال وتعرض خيارات ثلاثة لا رابع لها؛ إما الإسلام أو الجزية أو القتال، وتمهل لذلك ثلاثة أيام لا غير، ومثال ذلك ما حدث مع ربعي بن عامر رضي الله عنه في مفاوضته لرستم قائد الفرس، فساد الإسلامُ بتطبيق هذه الأحكام جنبات الأرض على مدى يزيد عن 13 قرناً.
هكذا كانت المفاوضات؛ حسم وقوة وعزة وبأس، فالحروب في الإسلام لا تعرف هدنة تتضمن تنازلاً عن أي حكم شرعي واحد، وسيادة مبدأ الإسلام ليست محل تفاوض، فالحرب حرب مبادئ ووجود وصراع حضارات، ولا يوجد بين الإسلام وغيره من حضارات العالم الكافرة تقاطع ومصالح مشتركة إلا بما حدده الله تعالى، فقضيتنا تحكيم شرع الله جل جلاله والعيش بمقتضاه، وهذا أكبر من دمائنا وأموالنا، بل أكبر من كل دنيانا، فهي قضية الله وسلطانه في أرضه على عباده.
هذه المقدمة المختصرة كان لا بد منها عند الحديث عما يجري بين إيران وأمريكا من مفاوضات، فبعد أن قامت أمريكا وربيبها كيان يهود بشن حرب على إيران، مفترضين انهيار النظام سريعاً، ومقدرة بعض السياسيين المتصلين بأمريكا من السيطرة على إيران لتحويلها من دولة دائرة في فلك أمريكا إلى دولة تابعة لها تنفذ مصالحها، وتتنازل عن سيادتها وثرواتها، وعناصر قوتها...
إلا أن ما عولت عليه أمريكا لم يتحقق، واستطاعت الأصوات التي ترى الانعتاق من التبعية لأمريكا، ولتكون إيران أول بلد إسلامي يمكن أن يستقل استقلالاً حقيقياً عن الغرب الكافر، استطاعت هذه الفئة السيطرة على البلاد، وأوجعت بردها الصاروخي أمريكا ويهود، وألحقت بهما أذًى كبيراً، واستخدمت ورقة مضيق هرمز باقتدار، فأحدث ذلك أثراً بالغاً في دول العالم، وتشكل رأي عام عالمي ضد عدوان أمريكا ويهود غير المبرر، ورفض حلفاؤهم الوقوف معهم أو مساعدتهم في حربهم، ليزداد الغرق والتخبط لأمريكا، ليضاف إلى ما تعانيه أصلاً من انقسامات داخلية حادة، وأزمة اقتصادية خانقة، بل إن بعض الدول قدمت مساعدات تقنية وحربية لإيران بحسب ما تناقلته بعض وسائل الإعلام، فأوروبا تعلم أن الضرر الذي سيلحق بها كبير إن استطاعت أمريكا أن تحقق تطلعاتها في إيران والمنطقة، والصين التي تستورد معظم نفطها كذلك، فامتنعوا عن مساعدة أمريكا أو إخراجها من مأزقها.
فاندفع العلج الأهوج ترامب في البحث عن مخرج يحفظ له ماء وجهه، ولم يجد إلا سبيل المفاوضات التي تجيدها أمريكا بالمكر والخداع، والترهيب والترغيب، لعله يحقق ما لم تستطع آلته العسكرية المتقدمة تحقيقه في الحرب، وتوالت التصريحات المتناقضة، ثم أوعزت لعملائها وأذنابها في مصر وتركيا وباكستان لدفع إيران إلى طاولة المفاوضات، وقدمت شروطها الخمسة عشر للتفاوض، والتي تعتبر شروط استسلام، فرفضتها إيران وقدمت بديلاً عنها، فتلقفها ترامب ليعلن أنها مناسبة لبدء التفاوض، مع أنها لم تتضمن ما يتعلق بالملف النووي أو الصواريخ البالستية والتي ذكر بأنها أسباب الحرب، ما يؤكد مدى المأزق الذي وقع فيه، وتعويله على المفاوضات لعله يحقق شيئا، وقام بإرسال وفده برئاسة نائبه فانس إلى باكستان لعقد الجولة الأولى من المفاوضات التي استمرت 21 ساعة، خرج بعدها فانس ليصرح بفشل المفاوضات لعله يضغط على إيران ويدفعها للتنازل، ثم ليناقض تصريحه بعد يومين ويقول بأن هناك تقدماً جيداً قد حدث بمفاوضات باكستان ويمكن عقد جولة أخرى! تأكيداً على ما ذهبنا إليه من تخبط السياسة الأمريكية ووهن قوتها العسكرية، آخر أوراقها للبقاء الدولة الأولى في العالم.
لقد اعتاد الغرب الكافر جر من يحاربه إلى فخاخ المفاوضات والمناورات السياسية إن عجز عن تحقيق ما يريده بالحرب والترهيب، فهو بذلك يعيد حساباته ويزيد قواته محاولاً التخفيف من آثار ما قام به وخصوصاً الرأي العالمي المضاد له.
رسالة أوجهها إلى من يمسك زمام الأمور في إيران:
إن ما قام به الحرس الثوري والجيش أمر مبارك ومحمود، فلا تسمحوا لأمريكا بتحقيق ما لم تستطع تحقيقه في عدوانها وحصارها لكم، فأمريكا تعاني بشدة، وانقسامها الداخلي حاد، وأزمتها الاقتصادية خانقة، وضعفها ووهنها واضح وضوح الشمس في رابعة النهار، تدل عليه الإقالات التي لحقت بقيادات عسكرية. وانتخاباتها النصفية اقتربت، وحتى انتخابات الرئاسة بعد عامين، فهي تغرق ولولا عملاؤها الخونة رويبضات المسلمين لما بقيت.
فاحزموا أمركم واقطعوا الحبال الممدودة لأمريكا في إيران، ومدوا أيديكم لأمة الإسلام وابتعدوا عن أية صراعات طائفية أو قومية نتنة، فأمة الإسلام واحدة وربها واحد، وطالبوا الجيوش في بلاد المسلمين بلغة الإسلام ليخلعوا حكامهم العملاء وينضموا لحرب أمريكا ويهود معكم، وتحرير البلاد والعباد من جور الرأسمالية إلى عدل الإسلام.
ألا فلتعلموا يا قادة إيران أن المفاوضات مع العدو تمكنه من كسب الوقت وتجميع قواه، فإرسال الجنود والبوارج مستمر، لا بل أمرها لعميلها الذليل عاصم منير إرسال طائراته وجنوده إلى السعودية لمحاربة إخوانهم إن اقتضت الأحداث ذلك، فالحرب في بلادنا، وتنطلق طائراتهم من أرضنا، ويقاتلون بجيوشنا التي أعدوها بأموالنا لإبقاء سيطرتهم على بلادنا ونهب خيراتنا.
فاتعظوا بمن سبقكم في التفاوض من قبلُ في فلسطين وأفغانستان وغيرهما، ثم انقلبت عليهم أمريكا بعد أن حققت أغراضها، واتعظوا بما قدمه السياسيون في إيران على مدى السنوات الماضية في خدمة مصالح أمريكا، فلما ظنت مقدرتها على تنفيذ مشروعها في الشرق الأوسط اغتالتهم.
لا تسمحوا لأمريكا الخروج من مأزقها، فلا مفاوضات أو هدن يتنازل بها عن أحكام الإسلام، فإما أن نزلزل الأرض بإسلامنا العظيم فتخر منظومة الغرب الكافر، وذلك باستنفار كل طاقات الأمة من جيوشها وعلمائها وخيرة أبنائها وما تملكه من أوراق قوة، لتصبح قضية الإسلام وإعلاء كلمته وإقامة دولته قضية الأمة، حتى تستقيم معادلة الصراع بين الإسلام والغرب الصليبي، أو نبقى نعيش المأساة تلو الأخرى، واعلموا أن ضريبة الذل أعلى من ضريبة العزة إن كنتم تعلمون.
بقلم: د. عبد الإله محمد – ولاية الأردن






















رأيك في الموضوع