في عالم لم تعد فيه الحروب تُعلَن دائماً على المنابر الإعلامية، ولا تحسم فقط بصوت الطائرات، يتشكّل صراع من نوع آخر؛ صامت، عابر للحدود، وممتد إلى ما هو أبعد من الجغرافيا، حيث تعاد صياغة موازين القوى وتختبر حدود النفوذ بين القوى الكبرى.
في هذا المشهد المتحول، لا تبدو إيران مجرد دولة تواجه عقوبات أو تهديدات عسكرية، بل لاعباً يحاول إعادة تعريف موقعه عبر بوابة غير تقليدية، مستفيداً من تقاطع المصالح مع الصين، ومن تحوّل التكنولوجيا إلى سلعة متاحة في سوق عالمية مفتوحة. تنظر أمريكا إلى هذا التقارب بعين الريبة، حيث يتجاوز السؤال حدود اتفاق هنا أو صفقة هناك، ليصل إلى جوهر أعمق: هل نشهد بداية نظام دولي جديد تسحب فيه احتكارات القوة، أم مجرد إعادة توزيعها بأدوات أكثر تعقيداً وغموضاً؟
منذ عام 2016، حين طرحت فكرة الشراكة الاستراتيجية بين طهران وبكين، لم يكن واضحاً إلى أي مدى يمكن أن تصل هذه العلاقة. لكن توقيع اتفاق تعاون طويل الأمد عام 2021 وضع الأساس لتحالف يتجاوز الاقتصاد إلى الجغرافيا السياسية. فالصين، عبر مشروع الحزام والطريق، لا تبحث فقط عن طريق تجاري، بل عن نقاط ارتكاز استراتيجية، وإيران - بموقعها الجغرافي وثرواتها - تمثل حجر زاوية في هذا المشروع.
وهذا الاتفاق، لمن لم يسمع به، تم طرح فكرته عام 2016 خلال زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى طهران ولقائه مع المرشد الإيراني علي خامنئي، حيث طُرحت فكرة شراكة استراتيجية طويلة الأمد بين البلدين. وفي عام 2019، صرّحت إيران في البداية أن الأمر مجرد فكرة وليس اتفاقاً نهائياً، ثم تطور لاحقاً حتى تم التوقيع الرسمي في 27/4/2021، وسُمّي "اتفاقية التعاون الاستراتيجي"، ومدتها 25 عاماً (الجزيرة نت 27/4/2021). وكانت هذه الاتفاقية إطاراً عاماً وليست معاهدة تفصيلية بكل البنود. وفي عام 2023 لم يتم تجديد التوقيع، ولكن جرى تعزيز التعاون وتوقيع اتفاقيات فرعية متعددة خلال زيارات متبادلة (العربية، 14/2/2023). وهي ليست اتفاقية سرية بالكامل، فقد أعلن عنها رسمياً، وعُرفت مدتها (25 سنة)، وتشمل تعاوناً اقتصادياً وسياسياً وربما أمنياً، إلا أنها غير شفافة بالكامل، إذ لم تنشر كثير من تفاصيلها رسمياً، لذلك توصف أحياناً بأنها غامضة أو شبه سرية. ومما تسرّب منها:
1- النفط مقابل الاستثمار (جوهر الصفقة): تحصل الصين على النفط الإيراني بأسعار مخفضة وثابتة لمدة طويلة قد تصل إلى 25 سنة، مقابل أن تضخ استثمارات في الطاقة والبنية التحتية والموانئ وسكك الحديد، وبناء خزانات نفطية إيرانية في الصين وغيرها.
2- ربط إيران بمبادرة الحزام والطريق الصينية: تطوير موانئ وسكك حديد تربط آسيا بأوروبا عبر إيران، أي تحوّل إيران من دولة معزولة إلى ممر تجاري عالمي.
3- التعاون العسكري والأمني: تدريبات عسكرية مشتركة، وتبادل معلومات استخباراتية، وتطوير تقنيات المراقبة.
4- التكنولوجيا والاتصالات: السماح بدخول شركات صينية مثل هواوي، وتطوير شبكات (G5)، ومراقبة رقمية. ومن ضمن هذا التعاون حصلت إيران على قمر صناعي ثنائي صيني تجاري عام 2024 بواسطة شركة صينية خاصة، حيث اشترت إيران الوصول إليه أو استخدامه لاحقاً. ويُعرف القمر باسم (TEE_01B)، وهو ليس مملوكاً رسمياً لإيران، بل لشركة صينية خاصة، وقد اشترت إيران خدماته أو بياناته. ويتم التحكم أو جزء من تشغيله عبر محطات أرضية خارج إيران، في الصين حصرياً. ولا تزال تفاصيل عمل هذا القمر غير واضحة تماماً، لكن يقال إنه استخدم في الحرب لمراقبة قواعد عسكرية ودعم عمليات عسكرية، وفق مزاعم غربية (رويترز، 15/4/2026).
وكانت إيران ترى في هذا الاتفاق عدة أمور تمكنها من الموازنة بين علاقاتها مع أمريكا والصين، خاصة بعد تغيّر تعامل أمريكا معها، واغتيال قادتها، والانسحاب من الاتفاق النووي، وغيرها من التطورات. ومن أبرز ما تطمح إليه إيران من هذا الاتفاق: كسر العقوبات الأمريكية، حيث توفر الصين تمويلاً وتجارة وغطاءً سياسياً. وصعود محور إيراني-صيني، وقد يمتد مستقبلاً ليشمل روسيا. وتهديد غير مباشر لممرات الطاقة، حيث تصبح الصين أكثر حضوراً في الخليج، وتكتسب إيران ثقة أكبر في إدارة أزمات مثل مضيق هرمز.
ومع ذلك، كانت إيران تخشى منح الصين امتيازات طويلة جداً في ظل غياب الشفافية، والخوف من الوقوع في فخ الديون. كما أن الصين نفسها كانت حذرة، إذ لم تحوّل هذا الاتفاق إلى واقع كامل، بل كان هناك تباطؤ في التنفيذ، بسبب العقوبات الأمريكية على إيران، ولم تصل الاستثمارات إلى حجم 400 مليار دولار كما أشيع.
وهنا لا يمكن القول إن الحرب جاءت نتيجة هذا الاتفاق فقط، لكن مع اندلاعها وتداعياتها، أصبح هذا الاتفاق أحد أهداف الضغط، وربما السعي لدفع إيران إلى تقليصه أو إلغائه بشكل مباشر، مع الإبقاء على أهداف أخرى.
من هنا، يبدو أن أحد الأهداف غير المعلنة لأي تصعيد أو ضغط أمريكي ليس فقط تعديل سلوك إيران، بل تقليص أو حتى انتزاع قدرتها على استخدام هذه الورقة. فالسيطرة على الممرات البحرية، أو تحييد من يهددها، تظل في صلب العقيدة الاستراتيجية لواشنطن منذ عقود، وأي قوة إقليمية تملك القدرة على تعطيل هذا التدفق ينظر إليها كعامل خلل يجب احتواؤه، إن لم يكن تفكيكه.
غير أن المفارقة تكمن في أن السعي لسحب هذه القدرة من إيران قد يدفعها إلى التشبث بها أكثر، أو إلى تطوير أدوات غير تقليدية لتعويضها، سواء عبر وكلاء إقليميين أو من خلال توظيف التكنولوجيا الحديثة، بما في ذلك الفضاء والمراقبة. وهنا يتحول الصراع من مواجهة على الجغرافيا إلى صراع على الأدوات، ومن نزاع على الممرات إلى تنافس على من يملك القدرة على تعطيلها أو حمايتها.
وعليه، فإن حرص أمريكا على استعادة زمام السيطرة في هذه النقطة الحساسة لا يعكس فقط رغبتها في ضبط إيران، بل يكشف عن معركة أعمق: معركة على من يحدد قواعد المرور في العالم، ومن يملك القدرة على إغلاقها عند الحاجة. وفي هذا المستوى، لا تعود الأزمة مجرد خلاف إقليمي، بل جزءاً من صراع أكبر على شكل النظام الدولي ذاته.
ولكن نتائج المفاوضات النهائية هي التي ستؤكد لنا ما إذا كانت أمريكا قد تمكنت من تحويل إيران إلى دولة تابعة بدلاً من دولة تدور في فلكها، أم أن إيران تحاول التفلت من السقوط في حالة التبعية، وتسعى إلى التحول إلى دولة مستقلة مستفيدة من الاتفاق مع الصين. وذلك في حال بقاء الحرس الثوري الإيراني في السلطة؛ أما إذا استطاعت أمريكا تغييره، فقد تكون نجحت في تحويل إيران إلى دولة تابعة لها.
وللمفارقة، فإن كل هذه الممرات البرية والبحرية والجوية تقع في البلاد الإسلامية. ولو شاء الله أن تقوم دولة الخلافة، فإن هذه العوامل الجغرافية والاستراتيجية تمثل أدوات قوة هائلة. غير أن تفعيل هذه الإمكانات يظل مرهوناً بوجود كيان سياسي قادر على توظيفها ضمن رؤية متكاملة، متمثلة بظهور دولة الخلافة، وتعيد توجيه الموارد نحو تحقيق الاستقرار والعدالة.
وعليه، فإن عودة الفاعلية إلى الساحة الدولية تقتضي عملاً سياسياً وفكرياً منظماً، يهدف إلى إعادة بناء القوة على أسس واضحة واستئناف الحياة الإسلامية وتمكين الأمة من استثمار موقعها وثرواتها ضمن مشروع حضاري قادر على التأثير في موازين القوى العالمية.
بقلم: الأستاذ نبيل عبد الكريم






















رأيك في الموضوع