لا شك أن أكبر حرب في التاريخ الحديث هي الحرب العالمية الثانية. وفي هذه الأيام، تحتفل الأطراف التي حققت النصر في هذه الحرب بيوم 9 أيار/مايو على نطاق واسع باعتباره يوم النصر. ومن بين تلك الدول قرغيزستان، التي يشكل المسلمون غالبية سكانها، حيث يُعتبر هذا اليوم عيداً رسمياً كذلك.
ولتحديد حقيقة يوم 9 أيار/مايو، لا بد أولاً من الرجوع قليلاً إلى صفحات التاريخ:
ففي عام 1919 انتهت الحرب العالمية الأولى بمعاهدة فرساي. وبموجب هذه المعاهدة انسحبت ألمانيا من الأراضي التي احتلتها، كما انقسمت الإمبراطورية النمساوية المجرية إلى قسمين. وكذلك جرى طرح مشروع إنشاء عصبة الأمم بذريعة حفظ الأمن العالمي. وفي معاهدة سيفر تقاسمت إنجلترا وفرنسا معظم أراضي الخلافة العثمانية، إضافة إلى المستعمرات الألمانية.
وقد أنشأت إنجلترا وفرنسا عصبة الأمم للحفاظ على تلك المستعمرات. وأصبحت شعارات هذه المنظمة هي حفظ السلام وقضايا نزع السلاح. غير أن إنجلترا دعمت ألمانيا وشجعتها على التسلح من أجل موازنة فرنسا. وبنوع من التهيئة من جانب إنجلترا وروسيا، استعادت ألمانيا قوتها العظمى من جديد. ومن ثم أشعلت مرة أخرى نار حرب عالمية.
فأولاً، تمسكت ألمانيا بشدة بفكرة النازية، وأرادت الهيمنة على سائر الشعوب. وثانياً، لم تعد تكتفي باستعادة الغنائم التي فقدتها بعد الحرب العالمية الأولى، بل أصبحت تطمح إلى الاستحواذ على ثروات العالم بأسره.
في الحرب العالمية الثانية التي بدأت عام 1939، تقاتل المحور الثلاثي (ألمانيا، اليابان، إيطاليا) في مواجهة الحلف المناهض لهتلر (الاتحاد السوفيتي، إنجلترا، فرنسا، ثم لاحقاً أمريكا)، وشاركت إلى جانبهم أكثر من 60 دولة. وقد قُتل في هذه الحرب إجمالاً 25 مليون عسكري و38 مليون مدني. وكان معظم هؤلاء، أي ما يقارب 20 مليوناً، من رعايا الاتحاد السوفيتي. وانتهت الحرب بهزيمة المحور الثلاثي.
ولتقاسم الغنائم وضمان أمنهم المستقبلي، أبرم المنتصرون اتفاقية يالطا في شباط/فبراير 1945. وبموجب هذه الاتفاقية قُسمت ألمانيا إلى أربع مناطق احتلال خاضعة لنفوذ أمريكا والاتحاد السوفيتي وإنجلترا وفرنسا. ثم تحولت لاحقاً إلى قسمين: منطقة غربية خاضعة لنفوذ أمريكا، ومنطقة شرقية خاضعة لنفوذ الاتحاد السوفيتي.
وكان من المقرر أن يدخل الاتحاد السوفيتي الحرب ضد اليابان، إلا أن هذا القرار أُلغي بسبب إلقاء أمريكا القنبلة النووية على اليابان وإنهائها الحرب بذلك. وهكذا أصبحت اليابان دولة واقعة تحت نفوذ أمريكا. كما قُسمت كوريا إلى دولتين إحداهما خاضعة لنفوذ الاتحاد السوفيتي والأخرى لنفوذ أمريكا.
وقررت الدول المنتصرة إنشاء منظمة الأمم المتحدة، وقد أنشأتها أمريكا والاتحاد السوفيتي وإنجلترا وفرنسا والصين.
وخلاصة الأمر أن هذه الدول الخمس اقتسمت فيما بينها دول العالم كلها بعد الحرب العالمية الثانية. ولكي لا تظهر دولة سادسة تشاركها في اقتسام مصالح العالم، اتفقت هذه الدول الخمس على إنشاء منظمة الأمم المتحدة بوصفها "فخاً" يُستخدم لإجبار الدول على الخضوع والاستعباد. أما العبارات البراقة التي تُذكر في تعريف المنظمة، مثل "تعزيز السلام العالمي وضمان الأمن"، فهي تُقال فقط لخداع عامة الناس الذين لا يدركون حقيقتها.
وفي عام 1947 عُقد مؤتمر باريس، الذي أسفر عن فقدان إيطاليا لمستعمراتها، لتقع تحت نفوذ أمريكا والاتحاد السوفيتي وإنجلترا. كما فُرض على كل من المجر ورومانيا وفنلندا دفع تعويضات.
وإذا استخلصنا النتيجة من كل ذلك، فيتبين أن الحرب العالمية الثانية لم تكن سوى حرب بين الدول الكبرى على الهيمنة والثروات. فلماذا ينبغي لنا أن نعتبر نتيجة صراع الدول الكبرى "نصراً عظيماً"؟! وما الفرق بالنسبة للدول المستعمَرة بين أن ينتصر هذا الطرف أو ذاك؟ فعلى سبيل المثال، ما أهمية انتصار أمريكا أو روسيا بالنسبة لنا اليوم في صراعهما على النفوذ في آسيا الوسطى؟ وإذا كانت الدول الكبرى هي التي ترسم لنا "الأوطان" كما تشاء، أفليس من السذاجة أن نعتبرها أوطاناً لنا؟
فبالأمس فقط كان الاتحاد السوفيتي وطننا. فأين هو اليوم، وماذا بقي لنا منه إرثاً؟ ولماذا لسنا أعضاء دائمين في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة؟ ولماذا لا تُعد كازاخستان دولة نووية، مع أن التجارب النووية كانت تُجرى فيها أيام الاتحاد السوفيتي؟ ففي الحقيقة، ما تزال أسلحة نووية موجودة هناك، لكنها تتبع لروسيا. وغداً، إذا قامت أمريكا في صراعها مع روسيا بإنشاء دولة تركستان للشعوب التركية، فهل سنقف حينها أيضاً ننشد لها باعتبارها "وطننا"؟!
في الحقيقة، منذ بزوغ فجر التاريخ إلى قيام الساعة، لا تقوم الصراعات بين الدول إلا على سببين اثنين: أولهما: حب الهيمنة والسيادة. وثانيهما: السعي وراء المصالح المادية.
أما الأول، فينقسم إلى قسمين: حب سيادة الفكرة المبدئية ونشرها، وكذلك حب سيادة القوم والتعصب والاستعلاء بهم. فعلى سبيل المثال، كان لدى الدولة الإسلامية حب سيادة الإسلام ونشره لما يقارب 1300 سنة، بينما كان لدى الدولة الشيوعية حب سيادة فكرتها مدة تقارب 30 سنة.
أما النازية الألمانية والفاشية الإيطالية، اللتان كانتا سبباً في الحرب العالمية الثانية، فقد كان الدافع فيهما هو حب سيادة القومية والسعي وراء المصالح المادية.
ومن خلال ذلك ينبغي للمسلمين أن يعتبروا من التاريخ. فإذا لم يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم من أجل إسلامهم، فسيظلون ضحايا للحروب العالمية التي تدور بين الدول الكافرة، أو للنزاعات المحلية التي تشعلها تلك الدول. وفي الوقت نفسه، لا يجوز لنا أن نتحول - ونحن نعلم - إلى ضحايا لصراعات دول الكفر. فنحن مسؤولون عن ذلك أمام الله تعالى.
بقلم: الأستاذ ممتاز ما وراء النهري






















رأيك في الموضوع