أبعد أن خادعتهم أمريكا واستفردت بكل غطرسة وعنجهية ببلدهم، فهاجمته مع ربيبها كيان يهود، تريد تفكيكه والقضاء على مقومات قوته، أبعد ذلك يستذكر قادة النظام الإيراني أن لهم أمة يملأ عددها الساحة العالمية، فجاؤوا يذكرونهم اليوم بأن موقف بعض حكوماتهم متناقض مع قول النبي ﷺ: «مَنْ سَمِعَ رَجُلاً يُنَادِي يَا لَلْمُسْلِمِينَ فَلَمْ يُجِبْهُ فَلَيْسَ بِمُسْلِمٍ»؟ فأين كانوا يوم استغاث بهم المسلمون في أرجاء البلاد الإسلامية من عدوان الكفار المستعمرين وبطش حكامهم؟ أليسوا هم الذين لم يستح بعض كبارهم من المجاهرة بأنه لولا نظامهم لما استطاعت أمريكا احتلال العراق وأفغانستان، لكون ذلك يخدم مصالحه، ما مكن لأمريكا أن تتربع على عرش النظام الدولي، فلم تعد ترى منافساً حقيقياً يحدّ من أطماعها؟
ورغم هذه الحقيقة البيّنة، بم تفضل الأنظمة (السنية)، نظام إيران (الشيعي)، وقد أشغلوا جميعهم الأمة عن جرائم أمريكا وأشياعها في أوروبا، وكيان يهود في بلاد الإسلام، بالحديث الآن عن جرائم النظام الإيراني، في سوريا والعراق مثلا.. أو جرائم النظام السعودي في اليمن، والإماراتي في السودان كذلك؟ فإن كان النظام الإيراني وقد ربط تحقيق مصالحه الإقليمية بخدمة سياسة أمريكا في المنطقة فاستفاق، متأخرا، على الخديعة الأمريكية، وعلى عدم وفائها، ففيم يؤاخذ أنظمة تُجر إلى الحرب ضده، قد بنت سياساتها على أن تكون كلب صيد لأمريكا، بعد أن أدرجت جميعها على أجندة التقسيم ونزع السلاح والإضعاف، ثم السيطرة التامة على كلّ مقدراتهم؟ فأمريكا وبعد مسارات طويلة من التخطيط والتنفيذ، أسقطت خلالها الاتحاد السوفيتي إثر حرب باردة، أنهت فيها نفوذ بريطانيا وأوروبا في معظم بلاد المسلمين، لم تعد ترى في وجود الدولة التي دارت في فلكها، والتي كانت يدها الطولى في تنفيذ مخططاتها في العراق وأفغانستان وسوريا واليمن ولبنان إلا عقبة أمام تحقيق مراميها، فلم تتوان عن إعلان الحرب عليها، ودعوة الأنظمة الخائرة في المنطقة مشاركتها حربها تلك، من أجل تطويع المنطقة كلها لإرادتها.
إلا أن حركة التغيير هذه التي اضطرت لها أمريكا، لم تكن فقط بسبب العوامل الخارجية التي تعترضها، وإنما للوهن الذي أدركه ساستها ومفكروها، في أسّ المبدأ الرأسمالي، وهيكل النفوذ الذي بنته إثر الحرب العالمية الثانية، إذ لم تعد قادرة على بسط نفوذها على العالم من خلاله. فاندفعت أمريكا بعنجهية غير مسبوقة، تحطم كثيرا من الاتفاقيات والتحالفات التي صنعتها، بعد أن باتت ترى فيها قيودا وأعباء تعوق استراتيجيتها المستقبلية، قابلها تمنّع دول كبرى كالصين وروسيا وبعض الدول الأوروبية، بالتسليم لها فيما تفعله، في سياسة هي أقرب إلى احتواء تخبطها، مع تجنب الصدام المباشر معها. إلا أن العامل الأساسي في انهيار النظام الدولي وتفكك قبضة أمريكا يتجلى في انكشاف حقيقة فكرة فصل الدين عن الحياة، بانهيارها القيمي والأخلاقي، وبروز عجزها العضوي في الاستجابة لانتظارات الإنسان، أو تقديم الحلول الموافقة لفطرته، وذلك بانفلات هذه الحضارة من عقالها حتى باتت تطحن الإنسان طحنا، ما يجزم باستحالة انبعاثها من جديد، أو قدرة الغرب عامة على الابتكار والتكيف من أجل تعديل مساره.
وبعيدا عن آراء كثير من مفكري الغرب وساستهم، وتحذيرهم من قيام دولة الإسلام من جديد، واستشرافهم هيمنتها على أوروبا والعالم، مثل المفكر بول شميتر الذي يقول في كتابه "الإسلام قوة الغد العالمية": "إن قدرة الإسلام وحده على ملء هذا الفراغ، وتبوء مركز الريادة من أجل إخراج الإنسانية من هذا التردي، تنبع من ذاتية المبدأ كونه من عند العليم الحكيم"، فإن مبدأ الإسلام، وأمام حقيقة أن الحياة لا تقبل الفراغ، سيكون هو البديل الوحيد الذي تنتظره هذه الحياة. فهي تتهيأ للتخلص من خطر لا يتهدد المسلمين وحدهم، بل ينذر بشرّ مستطير على البشرية قاطبة، لو بسطت أمريكا هيمنتها على العالم من جديد. فعلاوة على وهم القوة الأمريكية المطلقة، وعجزها عن تحقيق أهدافها وربيبها كيان يهود، في إيران، حتى باتت تبحث عن مخرج، وتتطلع إلى من ينجدها في حربها هذه، فإن الإصرار على الحفاظ على الأنظمة الوضعية، جمهورية كانت أو ملكية، لن يخرج الأمة من هوانها، ولن يمكنها من الانتصار على رأس الكفر أمريكا. فنصرها معقود بدولة الخلافة التي هي ليست مجرد كيان سياسي جديد، بل مشروع بديل حضاري هو الإسلام في دولة مبدئية، هي الخلافة على منهاج النبوة. فالحكم بما أنزل الله ليس خياراً سياسياً، بل فريضة شرعية، وهو نظام الحكم الوحيد الذي ينصره الله سبحانه وتعالى.
كل ذلك بدت تباشيره بعد أن استعاد المسلمون وعيهم على قوتهم وهوان عدوهم عليهم، فلم يبق أمامهم إلا كسر القيود التي تكبلهم، والعراقيل التي تعوقهم، والمتمثلة في هذه الحدود والحكام الذين يحرسونها، حتى تفتح الأبواب أمام مشروع الإسلام العظيم الذي سيعيد توجيه العالم ويصحح مسار التاريخ. وقد قام لهذا الأمر آمرون بالمعروف ناهون عن المنكر، مدركون لواقع الحراك السياسي الإقليمي والدولي، عاملون للتغيير.
فكيف ستصمد أهواء طغاة أمام مبدأ توحدت عليه أمة آمنت بأن البشرية في حاجة إلى الخلافة كحاجة الحياة إلى الماء، وهي موقنة بنصر الله القوي العزيز؟ قال الله عز وجل: ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾.
بقلم: الأستاذ عبد الرؤوف العامري






















رأيك في الموضوع