في قلب العالم المعاصر تتسابق القوى الكبرى على رقعة الاقتصاد والتكنولوجيا، حيث تتواجه أمريكا والصين فيما يمكن وصفه بصراع الذكاء الصناعي والسيطرة الاقتصادية، وهو في الحقيقة ليس مجرد تنافس تجاري أو سياسي، بل صراع على تحديد معالم النظام العالمي القادم. فالتقدم التكنولوجي المتسارع للصين وتوسع نفوذها الاقتصادي في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية يهددان الهيمنة التقليدية لأمريكا ويعيدان رسم موازين القوى الدولية. ولا أعني أن الصين تصلح لقيادة العالم أو فرض نظام عالمي جديد، فهي لا تملك مبدأً خاصاً بها، ولكن لها ثقلها في كبح هيمنة أمريكا وتقويض قدرتها على زعامة العالم وإدخال العالم إلى مرحلة تعدد القطبية.
وفي هذا السياق يتحول كل قرار اقتصادي، وكل صفقة تكنولوجية، وكل تحرك في المضائق البحرية والممرات للطاقة إلى قطعة على رقعة شطرنج استراتيجية.
فصعود الصين لم يعد صعود دولة صناعية فقط، بل أصبح قوة اقتصادية وتكنولوجية عابرة للقارات، وأمريكا تحاول إدارة هذا الصعود بضغط غير مباشر لاحتواء التوسع الصيني دون الدخول في حرب مباشرة.
حيث إننا نلاحظ خنق أمريكا للتكنولوجيا الصينية، وذلك بمنع تصدير الرقائق المتقدمة وأدوات تصنيعها إلى الصين، وهذه الرقائق المتقدمة مستخدمة في الذكاء الصناعي ومعدات تصنيع أشباه الموصلات وتقنيات الطباعة الضوئية المتطورة. وعملت أمريكا على إعادة تشكيل سلاسل التوريد بنقل المصانع من الصين إلى فيتنام والهند والمكسيك، وشجعت التصنيع المحلي عبر قوانين مثل قانون رقائق البطاطس، وبناء تحالفات اقتصادية مع دول آسيا للحد من الاعتماد على الصين. وكان الهدف تقليل الاعتماد العالمي على المصانع الصينية حتى تُسحب من بكين ورقة الضغط الاستراتيجية.
وأيضاً قامت أمريكا بتعزيز تحالفات في آسيا مثل كواد وأوكوس، والهدف تشكيل قوس احتواء اقتصادي وعسكري حول الصين في المحيطين الهندي والهادئ.
ولكن هناك ثلاث نقاط غاية في الحساسية، هي: الممرات البحرية، والممرات البرية للطاقة، وتايوان.
الضغط على الممرات البحرية:
الضغط على الممرات البحرية لا يُمارس على شكل حصار معلن، بل عبر بناء قدرة ردع أو مناطق صراع تجعل الصين تعرف أن شريانها البحري يمكن تعطيله إذا تصاعد النزاع، وهذا ما يمكن تسميته التحكم بإمكانية استخدام الفعل.
بحر الصين الجنوبي، كبح التمدد البحري: حيث تضغط أمريكا بتسيير دوريات (حرية الملاحة) قرب الجزر التي تسيطر عليها الصين، وتدعم الفلبين وفيتنام وماليزيا في نزاعاتها البحرية، وقد نشرت قواعد متقدمة في الفلبين، وتقوم بمناورات عسكرية مشتركة قرب تايوان، وبهذا تكون أمريكا قادرة على تعطيل المجال البحري الصيني عند اللزوم.
مضيق ملقا، نقطة الاختناق الأخطر: حيث يمر منه نحو 60% من واردات الصين النفطية، وضغط أمريكا هو وجود بحري دائم لأسطولها السابع، وهناك شراكات أمنية مع سنغافورة وماليزيا، وتعزيز تحالف كواد (الهند واليابان وأستراليا وأمريكا)، ويمكن تضييق المرور فيه بسرعة عالية عند اللزوم.
المحيط الهندي، تطبيق بعيد المدى: حيث هناك قواعد أمريكية في دييغو غارسيا، وتعاون عسكري وثيق مع الهند، وتعزيز اتفاقية أوكوس مع أستراليا، والهدف منع الصين من تحويل المحيط الهندي إلى فضاء نفوذ دائم لها.
مضيق هرمز، ضغط عبر الطاقة: وهو مضيق يمر عبره جزء كبير من النفط الخليجي المتجه إلى الصين، وما يحدث اليوم من ضرب إيران وتهديدها بإغلاق هذا المضيق، وإن كان ورقة ضغط على العالم بالنسبة لإيران، إلا أنها لا تستطيع إغلاقه بشكل كامل، وهذا ما قد يشير إلى طول أمد هذه الحرب أو الوصول إلى اتفاقات تجعل المرور من هذا المضيق بقرار أمريكي تغلقه عمن تشاء ومتى تشاء.
تايوان، كمركز توتر بحري: فهي قضية سياسية وسيادية، وأيضاً عقدة ممرات بحرية، فهي بوجود أمريكا تعتبر تهديداً لخطوط التجارة الصينية.
فهذا ليس حصاراً، وليس مواجهة مباشرة، بل ما يمكن تسميته الردع القابل للتفعيل. فإن لاحظنا أن أمريكا تبني شبكة تحالفات وقواعد تجعلها قادرة على تعطيل وتأخير ورفع كلفة الملاحة للصين، فهي لا تعلن الحصار بشكل رسمي، بل هي ورقة تلوح بها.
الضغط على الممرات البرية:
إن الصين سعت عبر مشروعها مبادرة الحزام والطريق إلى كسر عقدة ملقا والاعتماد البحري، فأنشأت شبكة طرق وسكك حديدية وأنابيب طاقة عبر آسيا الوسطى وروسيا وباكستان.
الضغط الأمريكي هنا لا يكون بإغلاق الطريق، بل بجعله أكثر كلفة وأكثر هشاشة وأقل استقراراً.
آسيا الوسطى، إعادة توازن في خاصرة الصين: حيث كازاخستان وقرغيزستان وأوزبيكستان تنقل الغاز والنفط والسلع نحو غرب الصين، والضغط الأمريكي غير المباشر هو دفع هذه الدول إلى تنويع شراكاتها بعيداً عن بكين، ودعم استثمارات أوروبية وأمريكية بديلة، واستخدام أدوات مالية ومؤسسات دولية لتقليل ارتهانها للصين، والهدف تقليص احتكار الصين للنفوذ الاقتصادي هناك.
روسيا، الضغط عبر العقوبات: فهذه العقوبات أثرت على شبكات النقل والتحويلات البنكية وشركات الشحن وشركات التأمين، وهدفها تعقيد التبادل التجاري البري للصين عبر الأراضي الروسية ورفع كلفة العمليات، ومستقبلاً قد تُوجد وسيلة لقطع خط الطاقة بين روسيا والصين بطريقة ما.
الممر الصيني الباكستاني: يمر عبر باكستان وينتهي عند ميناء جوادر.
وتمارس أمريكا الضغط حالياً عبر دعم التوازنات الإقليمية مع الهند، ومراقبة استثمارات الصين في البنية التحتية الباكستانية، والضغط المالي على إسلام آباد عبر مؤسسات دولية، والهدف إبقاء المشروع عرضة لهشاشة داخلية وأمنية، وهو اليوم قد يتأثر بأي نزاع بين باكستان وأفغانستان، ما قد يؤدي إلى تدمير الممر بشكل كامل لحظة اللزوم بالنسبة لأمريكا، ويكون بسبب صراع إقليمي بين دولتين.
إيران التي تعتبر عقدة الطاقة البرية: إن الحرب الدائرة اليوم قد تنسف أي حلول للوصول إلى الطاقة عبر إيران باتجاه الصين بطريقة غير مباشرة، وهي حالة الفوضى والحرب، وقد تُقطع الأنابيب وطرق النقل بشكل مجهول، وتكون ضربة للصين غير مباشرة عند اللزوم.
والطرق البرية ليست كالبحرية، لا يمكن إغلاق طريق بري بسهولة، ولكن يمكن أن نسميها استراتيجية إنهاك هادئ لشبكة الصين البرية بشكل غير مباشر.
وأخيراً نقطة تايوان:
وهي أكثر حساسية، وتعتبر نقطة كسر التوازن، حيث تقع تايوان في قلب سلسلة الجزر الأولى التي تحاصر الصين بحرياً، فإذا خرجت من الفلك الصيني نهائياً فقدت الصين عمقها البحري الاستراتيجي. ناهيك عن أنها مركز عالمي لصناعة الرقائق المتقدمة، وأي اضطراب هناك سيصيب الاقتصاد العالمي بالشلل، ويكون شرارة حرب إذا أخذتها الصين، أو إذا أُعلن استقلال رسمي من تايبيه، أو حدث تدخل عسكري أمريكي مباشر. ولهذا تعيش هذه القضية في منطقة رمادية (غموض استراتيجي)، وتايوان هي العقدة التي قد تتجمع عندها كل هذه الخيوط.
وفي المحصلة لا تبدو أمريكا في وارد خوض حرب مباشرة مع الصين حالياً بقدر ما تبدو منهمكة في هندسة بيئة استراتيجية تجعل الضغط خياراً جاهزاً ومكتملاً في أي لحظة تستخدمه. فأمريكا لا تعلن حصاراً، لكنها تعيد رسم خرائط الطاقة، وتعيد توزيع القواعد العسكرية، وتبني تحالفات بحرية في بحر الصين الجنوبي، وتدعم مسارات بديلة لمبادرة الحزام والطريق الصينية، وتقيد التكنولوجيا الحساسة دون أن تقطع شريان التجارة كلياً. فهي لا تغلق الأبواب أمام الصين لكنها تضيق الممرات، ولا تطلق الرصاصة عليها لكنها تضع الإصبع على الزناد. فهي ترفع كلفة صمود الصين، وتبقي خيارات الاحتواء مفتوحة.
وهكذا يتشكل مشهد قوة مهيمنة تعيد ترتيب البيئة من حولها، حتى يصبح كل تقدم صيني مشروطاً، وكل خطوة محسوبة، وكل اندفاعة مكلفة. فيصبح الواقع مع الصين ضغطاً بلا إعلان، وصراعاً بلا حرب حتى إشعار آخر.
والسؤال هنا يصبح: هل تصمد الصين؟ هل تتغير المعادلة؟ هل هناك عوامل تدخل على الخط فتقلب الطاولة؟ وتبقى هذه الأسئلة مفتوحة للإجابة عليها عبر الزمن.
بقلم: الأستاذ نبيل عبد الكريم






















رأيك في الموضوع