تشكل قضية الأسرى في سجون كيان يهود المجرم أحد أبرز أوجه معاناة أهل فلسطين، الذين يتفنن الكيان المجرم في ممارسة كافة أشكال الاضطهاد والتعذيب ضدهم، وهي عملية لا تتوقف منذ احتلال فلسطين وتكاد تكون يومية، ففي كل يوم يقتحم علوجه القرى والمدن والمخيمات ليمارسوا جرائم هدم البيوت والتخريب والاعتقال للرجال والنساء والأطفال، في محاولة لكسر إرادة أهل فلسطين وصمودهم وتصديهم لوجوده الآثم على أرض فلسطين المباركة.
ورغم كل محاولات الانتصار والنصرة للأسرى من جهات متعددة وأشكال شتى فصائلية وشعبية، حتى جعل يوم للأسير يحتفى بالأسرى في كل عام لرفع صوتهم، والحديث عن معاناتهم عبر كافة المنابر، الإعلامية والتعليمية والمساجد والشوارع والساحات، وتعقد من أجلهم الوقفات والمسيرات، والخطب والندوات والمؤتمرات، والبرامج الحوارية والوثائقية، وتؤلف القصص والقصائد، وعلى أهمية كل تلك الأعمال والفعاليات، وليس انتقاصاً للجهد المبذول فيها، إلا أنها لم ولن تشكل علاجاً لقضية الأسرى، ولم ولن تتمكن من إنهاء هذا الملف الذي يؤرق كل بيت من بيوت أهل فلسطين، ويشكل وجعاً لا ينتهي وجرحاً نازفاً في قلوب الكثير من أمهات وآباء ونساء وأطفال فلسطين، حيث يُغيَّب أحبابهم وفلذات أكبادهم في السجون لسنوات وسنوات حتى تآخى بعضهم مع جدران السجن وقضبانه، يُجوعون ويتركون عرايا في البرد القارس، تُمتَهن كرامتهم، وتسحق إنسانيتهم، وتُدمِّر الأمراض أجسادهم، ويحرمون من العلاج ليموتوا ببطء.
ولم يكتف الكيان المجرم بممارسة التعذيب والاضطهاد وامتهان الكرامة، بل زاد في إجرامه حتى نصب للأسرى أعواد المشانق عبر سنه قانوناً يقضي بإعدام الأسرى وشرعنة قتلهم، ضارباً عرض الحائط بكل عرف وكل قانون، كل ذلك يحدث دون تحرك مسؤول يرفع الضيم عنهم ويكسر قيدهم ويشفي صدور أحبتهم.
تاريخياً ما كان لأمة الإسلام على مر العصور أن تتهاون أو تتقاعس عن القيام بواجبها تجاه أسرى المسلمين في يد أعدائها، عملاً والتزاماً بأمر رسول الله ﷺ: «فُكُّوا الْعَانِيَ وَأَطْعِمُوا الْجَائِعَ وَعُودُوا الْمَرِيضَ».
وقد تضافرت أقوال علماء المسلمين وأئمتهم في الدّلالة على أهميّة تحرير الأسرى وبشاعة خذلانهم.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "إذا سُبيتْ امرأةٌ في المشرق وجبَ على أهل المغرب فكُّ أسرها"؛ أي أنّ على الأمة كلّها مشرقها ومغربها التحرك لتحرير أسيرة وقعت بين أيدي أعداء الأمة، فما بالنا بعشرات الأسيرات وآلاف الأسرى في سجون الكيان المجرم؟!
بل إن الإمام النووي عدّ وقوع مسلم في الأسر في حكم العدوان العسكري على بلاد المسلمين، مما يوجب النفير لرد العدوان وفكاك الأسرى، يقول رحمه الله: "ولو أسروا مسلماً أو مسلمَين فهل هو كدخول دار الإسلام؟ وجهان أصحهما نعم، لأن حرمته أعظم من حرمة الدار".
وقد صرح بذلك سلطان العلماء العز بن عبد السلام رحمه الله إذ يقول: "وإنقاذ أسرى المسلمين من أيدي الكفار من أفضل القربات".
وعندما يعلق الإمام القرطبي على الآية الخامسة والسبعين من سورة النساء وهي قوله تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ لا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرا﴾، يقول: "وتخليص الأسارى واجب على جميع المسلمين إما بالقتال وإما بالأموال؛ وذلك أوجب لكونها دون النفوس إذ هي أهون منها، قال مالك: واجب على الناس أن يفدوا الأسارى بجميع أموالهم؛ وهذا لا خلاف فيه".
وما أعظم قول الإمام ابن العربي المالكي في كتابه أحكام القرآن في معرض حديثه عن الأسرى المستضعفين من المسلمين: "إن الولاية معهم قائمة، والنصرة لهم واجبة بالبدن بألا يبقى منا عين تطرف حتى نخرج إلى استنقاذهم؛ إن كان عددنا يحتمل ذلك، أو نبذل جميع أموالنا في استخراجهم، حتى لا يبقى لأحد درهم".
ولقد سطرت العديد من المواقف؛ كيف تصرفت دولة الإسلام لاستنقاذ أسراها من قبضة الأعداء، فعن الفاروق عمر رضي الله عنه يقول: "لأن أستنقذ رجلا من المسلمين من أيدي المشركين أحب إليّ من جزيرة العرب"، وقصته مع عبد الله بن حذافة السهمي مشهورة، ومن ذلك عندما عاد المنصور بن أبي عامر (أحد حكام المسلمين في الأندلس) من حربه وانتصاره على الفرنج إلى عاصمته، تلقته امرأة مسلمة، وقالت له: أنت والناس يفرحون، وأنا باكية حزينة! قال: ولماذا؟ قالت: ولدي أسير عند الفرنج! فلم يذهب المنصور إلى قصره، وإنما سير الجيوش فوراً، وأمرهم أن يقاتلوا الفرنج حتى يخلصوا ابنها من الأسر، وجاءوا به حُراً طليقاً، ولقد كان فتح عمورية استجابة لصرخة امرأة مسلمة استغاثت به فصاحت وا معتصماه.
وكتب عمر بن عبد العزيز إلى المسلمين الأسرى في القسطنطينية: "أما بعد: فإنكم تعدون أنفسكم الأسارى، ومعاذ الله، بل أنتم الحبساء في سبيل الله، واعلموا أني لست أقسم شيئاً بين رعيتي إلا خصصت أهلكم بأكثر من ذلك وأطيبه، وإني قد بعثت إليكم فلان بن فلان بخمسة دنانير. ولولا أني خشيت أن يحبسها عنكم طاغية الروم لزدتكم عليها. وقد بعثت إليكم فلان بن فلان يفادي صغيركم وكبيركم، وذكركم وأنثاكم، وحركم ومملوككم، بما يسأل عنه؛ فأبشروا ثم أبشروا. والسلام".
وفي بحث قضية الأسرى وعلاجها، نجد أنها مرتبطة في أصلها مع قضية فلسطين، قضية الأسرى والمسرى لا تنفك إحداهما عن الأخرى، فكلتاهما عرض لمرض، المرض المتمثل في وجود الاحتلال وكيانه المجرم الجاثم فوق الأرض المباركة، والحل والعلاج واحد متمثل في تحرك الأمة تحركاً ينجز المهمة وينهي القضية تماماً، من خلال تحريك الجيوش، وقتال يهود واجتثاث كيانهم الآثم، وتطهير الأرض المباركة من ظلمه وظلماته وطغيانه وطاغوته.
لذلك فإن واجب الأمة الإسلامية اليوم هو ذاته الواجب الذي قامت به على مر عصورها؛ زمن الفاروق وعمر بن عبد العزيز والمعتصم وصلاح الدين؛ أن تتحرك وتحرك جيوشها، لا أن تكتفي بالشجب والاستنكار، وتصمت على خيانة حكامها وتخاذلهم وتآمرهم على فلسطين والمسجد الأقصى والأسرى، يجب على الأمة الإسلامية أن تطيح بعروش حكامها، وأن توجه جيوشها نحو المسجد الأقصى محرِّرة مكبّرة ﴿وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيراً﴾، وإن أي تحرك دون هذا الواجب هو خيانة لله ولرسوله ولمسرى رسول الله ﷺ ولدماء أهل فلسطين وأسراهم.






















رأيك في الموضوع