شهدت العاصمة الكينية نيروبي في أيار/مايو الجاري انعقاد قمة "أفريقيا إلى الأمام"، برعاية مشتركة بين الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ونظيره الكيني ويليام روتو. وتحت غطاء هذا الشعار البراق، وبمشاركة لافتة لنحو ثلاثين قائداً ومسؤولاً أفريقياً ودولياً من بينهم رئيسا مصر وتشاد، جرى رسم فصول جديدة من فصول السيطرة الدولية على القارة. إن هذا الحشد الذي جمع في بيئة أنجلوفونية لا يمثل تحولاً حقيقياً نحو السيادة، بل يجسد عملية إحلال وتبديل علنية؛ حيث تتشابك المحاولات الفرنسية اليائسة للحفاظ على نفوذها المتهالك مع اندفاع أمريكا الممنهج لقضم هذا النفوذ وحلول استعمارها "الناعم" مكان الاستعمار القديم. إنها قمة تطرد فيها باريس من الباب الأمامي لغرب أفريقيا لتتسلل عبر النوافذ الخلفية لشرقها، ما يجعل التحرر الحقيقي رهيناً بوعي الشعوب بضرورة طرد الطارد والمطرود معاً، والإطاحة بالأنظمة الوظيفية التي تمكن لهما.
لقد مثل الانكسار التاريخي للمنظومة الاستعمارية الفرنسية التقليدية في غرب القارة ووسطها، وتحديداً في دول النطاق والساحل، صدمة عنيفة لباريس التي وجدت نفسها مجبرة على إخلاء قواعدها العسكرية وسحب دبلوماسييها تحت وطأة الغضب الشعبي العارم. غير أن النخبة السياسية الفرنسية، ووفق منطق الهروب إلى الأمام واستراتيجية الهجوم كخير وسيلة للدفاع، لم تستسلم لهذا الطرد المهين، بل سارعت إلى البحث عن موطئ قدم جديد خارج فضاء أزماتها التقليدي. وكان هذا الاندفاع نحو العمق الأنجلوفوني، والبحث عن تحالفات استراتيجية واقتصادية جديدة مع دول "مستقرة وواعدة"، محاولة واضحة للالتفاف على الهزيمة، وإعادة إنتاج النفوذ بصيغ استثمارية ورقمية وبيئية حديثة، تخفي وراءها الأطماع القديمة نفسها في الاستعمار والسيطرة وتوجيه والتحكم في القرار السياسي.
وفي المقابل، لم يكن هذا التراجع الفرنسي ليحدث في فراغ، بل جرى دفعه وتم تلقفه من القوة الأمريكية التي تحركت بقوة لملء الفراغ، وممارسة سياسة قضم النفوذ الممنهج. إن أمريكا لا تتحرك في أفريقيا كحليف مخلص لشركائها الأوروبيين، بل كبديل استراتيجي يبحث عن الهيمنة المطلقة، مستغلاً عجز الإدارة الفرنسية وحساسية الشعوب تجاه تاريخها الاستعماري المباشر. وتقدم أمريكا نفسها للنخب الأفريقية كشريك ذي كفاية في مجالات مكافحة الإرهاب، والتنمية الرقمية، والقروض...الخ، لكنها في الجوهر تمارس استعماراً ناعماً يستخدم الأدوات الرأسمالية الحديثة لإبقاء القارة تحت الهيمنة الأطلسية، وحمايتها من التمدد الصيني والروسي المنافس.
إن هذا التكالب الدولي، والتبادل الوظيفي بين الطارد والمطرود، يضع الشعوب الأفريقية أمام حقيقة تاريخية صارخة، وهي أن الرهان على استبدال مستعمر بآخر هو رهان خاسر، ولن يؤدي إلا إلى إطالة أمد التبعية وشرعنة نهب الثروات. إن التحرر الحقيقي والسيادة المطلقة لا يمكن إنجازهما عبر تغيير الوجوه في العواصم الغربية، بل يبدآن من داخل القارة نفسها، بوعي شعبي لوجوب خوض المعركة الحقيقية لإنهاء الاستعمار بكل أشكاله ومسمياته، العسكري منه والاقتصادي والثقافي. هذا الوعي يقتضي بالضرورة الالتفات إلى طبيعة الأنظمة الحاكمة الوظيفية التي تمكن للاستعمار وتعمل كحارس أمين لمصالحه مقابل البقاء في السلطة، ما يجعل الإطاحة بهذه الأنظمة المأجورة وتصفية ركائزها الرأسمالية الخطوة الأولى والأساسية نحو الانعتاق.
وفي هذا السياق الجيوسياسي والفكري، تبرز الهوية الحضارية للقارة كعامل حسم لا يمكن تجاوزه أو إغفاله في معركة التحرر. حيث تشير الحقائق الديموغرافية والاجتماعية إلى أن المسلمين يشكلون النسبة الكبرى والأكثر حيوية بين سكان القارة الأفريقية، حيث يتجاوز وجودهم نصف إجمالي السكان، ويمتد ثقلهم من السواحل الشمالية إلى أعماق الغرب والشرق والوسط. إن هذا الثقل البشري الهائل، بما يحمله من مخزون فكري وعقدي وتاريخي متميز يرفض الخضوع والتبعية، يمثل الصخرة الصلبة التي يمكن أن تتحطم عليها مشاريع الاستعمار والنهب الرأسمالي. إن الالتفاف حول مشروع البديل الحضاري الإسلامي المبدئي المكتمل، الذي يقدم بديلاً سياسياً واقتصادياً شاملاً خارج عباءة المنظومة الدولية، يعد الضمانة الحقيقية والأكيدة لإنقاذ أفريقيا وإخراجها من دوامة الصراعات الدولية.
إن مشروع الأمة القائم على الأحكام الشرعية، والذي يحمله حزب التحرير؛ الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، يقدم رؤية حضارية جذرية تقلب الطاولة على النظام الرأسمالي العولمي. تبدأ هذه الرؤية بإلغاء التبعية الاستعمارية والاقتصادية للمؤسسات الدولية ومنها المؤسسات الاقتصادية، بدءا بالتخلص من العملات الورقية الاستعمارية كالفرنك واليورو والدولار، والعودة إلى نظام الذهب والفضة لإنهاء التضخم والنهب المصطنع. كما يقوم هذا المشروع على استرداد ثروات الأمة الهائلة من نفط وغاز ومعادن ويورانيوم وتصنيفها كملكية عامة تدار لصالح كل سكان القارة، مع منع الشركات العابرة للقارات من السيطرة عليها، فضلاً عن إسقاط النظام الربوي والضرائب الجائرة، وبناء صناعة ثقيلة وحربية تكسر قيود الحاجة للغرب وتوفر للاكتفاء الذاتي الزراعي والصناعي شروطهما الموضوعية.
إن العوائق التي تحاول منع هذا المشروع العظيم من رؤية النور، والمتمثلة في جدران الأنظمة الحاكمة التابعة والمنظومة الدولية الاستعمارية، لا يمكن تفتيتها إلا بهبة شعبية واعية تلتف حول قيادة فكرية مخلصة، ونصرة من المخلصين من أهل القوة والمنعة في الجيوش والنخب الفاعلة لصالح مبدأ الإسلام العظيم، لتعلنها صيحة مدوية تقطع دابر الطارد والمطرود معاً، وتنهي عقوداً من الوصاية والتبعية، وتعود إلى ما كانت عليه في ظل حكم الإسلام، حيث كانت تنعم بالأمن والأمان والرخاء الاقتصادي والقيادة السياسية المستقلة، لتستعيد القارة السمراء مكانتها اللائقة بها، مدفوعة بوعيها على أسباب النهضة الحقيقية المبنية على عقيدة الإسلام الراسخة وثرواتها ومقدراتها المستردة، بعيداً عن إجرام وجشع باريس ولندن واستعباد وواشنطن.
* عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر






















رأيك في الموضوع