تبدو الأزمة الاقتصادية في سوريا اليوم حادة ومؤلمة لعدد كبير من أهلها الذين يئنون تحت وطأة الفقر، والضرائب المرتفعة، وتآكل القدرة الشرائية للرواتب. ومع تزايد وتيرة الاحتجاجات الشعبية المطالبة بحلول جذرية، تبرز تساؤلات ملحة ومصيرية حول طبيعة هذه الأزمة: هل هي نتيجة حتمية لبلد خرج للتو من حرب طاحنة استمرت أربعة عشر عاماً؟ أم لعل الخلل أعمق من ذلك بكثير ويكمن في البنية المنهجية لإدارة الدولة وتوزيع ثرواتها؟
هذه المقالة وقفة عاجلة أحاول فيها تفكيك السرديات السائدة التي تبرر الفشل، وأذكّر من غاب عن ذهنه وجود نظام اقتصادي في الإسلام أن هذا النظام هو الحل الجذري للمشكلة الاقتصادية.
وهم ندرة الموارد: ثروات سوريا الحقيقية
يميل الخطاب السياسي الحالي إلى تبرير الأزمة المستفحلة بنقص المقومات الأساسية! إلا أن الواقع الجغرافي والاقتصادي لسوريا الحالية يثبت عكس ذلك تماماً. فسوريا لا تعاني البتة من فقر في الموارد اللازمة لبناء اقتصاد قوي ومستقل، ومكتف ذاتياً، إذ تمتلك مصادر طاقة كافية إلى حد بعيد، من النفط والغاز، خاصة بعد بسط السيطرة على المناطق الشرقية، فضلاً عن الإمكانيات الهائلة غير المستغلة في مجال الطاقة البديلة كالشمسية المتوفرة بكثرة في مناطق البادية. يضاف إلى ذلك وفرة واضحة في المواد الأولية الضرورية للصناعة، والأراضي الزراعية الخصبة التي تكفل الأمن الغذائي الداخلي وتفتح باب التصدير لدول الجوار. ولا ننسى الثروة الأهم؛ ألا وهي الأدمغة والكفايات العلمية واليد العاملة السورية الماهرة. إن هذه المقومات مجتمعة تؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن المشكلة الحقيقية في سوريا ليست في ندرة الموارد، بل في غياب النظام الاقتصادي العادل القادر على حسن إدارة هذه الثروات وتوزيعها المتوازن بين الناس.
فخ استنساخ النماذج الرأسمالية والريعية
لطالما روجت بعض الجهات لضرورة استنساخ نماذج اقتصادية دولية كالصين، أو إقليمية كدول الخليج، أو النموذج التركي، بوصفها طوق نجاة للأزمة السورية. ولكن بقراءة فاحصة، نجد أن هذه النماذج تحمل تشوهات بنيوية عميقة لا تتناسب مع مشروع نهضة حقيقي وعادل.
أما الصين فهي، رغم ضخامة إنتاجها وصادراتها التجارية العالمية، تبني مجدها التصديري على حساب ملايين الكادحين الذين يعيشون في فقر مدقع لضمان بقاء اليد العاملة رخيصة جداً. وأما دول الخليج، فاقتصادها ريعي استهلاكي يعتمد كلياً على تدفق عائدات النفط، وفي حال نضوب هذا المورد ستنهار هذه المنظومة بالكامل، كما حدث مع فنزويلا التي تملك أكبر احتياطي نفطي عالمي، ومع ذلك تعاني من فقر مدقع اليوم بسبب الحصار وتخبط نظامها الاقتصادي. وحتى النموذج التركي، ورغم حركته النشطة، يئن رعاياه تحت وطأة التضخم والفقر وصعوبة تأمين المسكن لغالبية الأتراك، شأنه شأن أي اقتصاد رأسمالي يكدس الثروة بيد فئة قليلة. إن الاقتصاد الناجح لا يقاس البتة بحجم الإنتاج، بل بنجاحه الفعلي في توزيع الثروة وتأمين الحاجات الأساسية لكل فرد، مع إفساح المجال للجميع لتحقيق حاجاتهم الكمالية بقدر رغباتهم وقدراتهم، على نحو يحفظ طراز العيش المطلوب للمجتمع.
خطورة الارتهان للخارج وخصخصة مقدرات الأمة
إن المأزق الأكبر الذي تقع فيه الإدارة الحالية في سوريا هو محاولة الاندماج الأعمى في الاقتصاد الرأسمالي العالمي، وتقديم البلاد لتكون جزءا من مشاريع دولية لتلبية شروط أمريكا، ولتكون جزءا من رؤية ٢٠٣٠. يتجلى هذا الخطر بوضوح في التوجه نحو سن قوانين تشرع إعطاء امتيازات استخراج النفط لشركات أجنبية، وتسمح للأجانب بتملك الأراضي الزراعية واستثمارها. هذا النهج المتبع لا يعني سوى نهب منظم لثروات البلاد للخارج، وتحويل أبناء سوريا وكفاياتها إلى مجرد أجراء وعمال عند المستثمر الأجنبي.
إن الاستقلال الحقيقي يتطلب بناء اقتصاد مكتف ذاتياً، يمتلك دورة اقتصادية متكاملة قادرة على الصمود في وجه أي حصار خارجي، بحيث لا تكون الدولة رهينة للإرادة الأجنبية، تطبيقاً للقاعدة التي أرساها قوله تعالى: ﴿وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً﴾. ولنا في التاريخ عبرة، ففي أزمة الكساد العظيم عام ١٩٣٠، نجت فقط الدولة التي لم تكن جزءا عضويا في النظام الاقتصادي الرأسمالي العالمي.
واردات بيت المال الشرعية مقابل جباية الضرائب الجائرة
في خضم هذا التخبط، يُغيّب عمداً الحل الناجع وهو النظام الاقتصادي الإسلامي، الذي يمتلك رؤية متكاملة لمعالجة الخلل. القاعدة الذهبية في هذا النظام هي منع احتكار المال وتركزه، كما نص القرآن: ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ﴾. هذا النظام الرباني يرفض جذرياً السياسات الجبائية التعسفية المتبعة اليوم. فالضرائب المفروضة على ذوي الدخل المحدود والفقراء، وضريبة القيمة المضافة، والجمارك، تعتبر في ميزان الشريعة مكوساً وسرقة محرمة شرعاً، قال ﷺ: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ صَاحِبُ مَكْسٍ».
بل إنّ قيام الدولة بتسعير الخدمات الأساسية كالكهرباء والمياه بفواتير باهظة يتناقض كلّياً مع تصنيف هذه الموارد شرعاً ملكية عامة لجميع الرعايا، استناداً للحديث الشريف: «النَّاسُ شُرَكَاءُ فِي ثَلَاثٍ: الْمَاءِ وَالْكَلَأِ وَالنَّارِ».
في المقابل، تعتمد واردات خزانة الدولة (بيت المال) في الإسلام على مصادر شرعية صلبة وعادلة، كـالزكاة التي تفرض على أغنياء المسلمين لترد على مصارفها التي حددها الشرع، وفي طليعتها الفقراء. يضاف إلى ذلك العوائد الضخمة المتأتية من الملكية العامة كالنفط والمناجم التي يجب أن تستثمر بشكل مباشر لصالح الأمة لتمويل احتياجاتها، لا أن تمنح امتيازات للشركات الأجنبية. وفي حال وجود عجز طارئ ناشئ عن عدم كفاية الواردات الشرعية، فإن الضريبة في الإسلام تفرض حصراً على أثرياء المسلمين القادرين، ولا تقرب جيوب الفقراء أو محدودي الدخل بأيّ شكل من الأشكال.
ختاماً، إن الأزمة الاقتصادية التي تعصف بسوريا ليست مجرد عارض مؤقت، بل هي أزمة سياسية ومنهجية بامتياز، ناتجة عن التبعية للأجنبي. وإن إصرار السلطات على تغييب النظام الاقتصادي الإسلامي، سواء أكان ذلك نتيجة جهل متأصل أو تنفيذاً لصفقات سياسية مع قوى الهيمنة العالمية للانخراط في السوق الدولية، هو السبب الجذري والأساسي لاستمرار معاناة الناس وتفاقم فقرهم.
إن سياسة إفقار الشعوب هي أداة استعمارية قديمة للتحكم بقرارها السياسي ومصادرة إرادتها. ولا سبيل للخروج من هذا النفق والفكاك من هذا الارتهان المهين إلا بوعي مجتمعي حقيقي، يطالب بإصرار بتطبيق النظام الاقتصادي الرباني المتكامل الذي يضمن العدالة في توزيع الثروة، ويحمي مقدرات الأمة، ويحقق استقلالها الفعلي بعيداً من تروس الرأسمالية وآلياتها المتوحشة.
* عضو المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير






















رأيك في الموضوع