أصبحت أمريكا في "حيص بيص" كما يقول المثل، فاختلطت عليها الأمور واشتدت. فتارة تهدد بضربة قاضية لإيران، ولكن هل يجدي ذلك لتحقيق هدفها؟ وتارة أخرى تطالب بالمفاوضات وتوقيع اتفاق؟
يذهب رئيسها ترامب الذي أصابه جنون العظمة إلى الصين ولكنه مطأطئ الرأس، ليجعلها تضغط على إيران حتى تقبل بشروطه فيعود بخفي حنين. وادّعى أن "وجهتي النظر الأمريكية والصينية متشابهتان جدا" ولكنه أضاف أنه "لم يطلب أي خدمات فيما يتعلق بإيران". فهذا يدل على أنه لم يحقق هدفه بجعل الصين تضغط على إيران فتوقف التبادل التجاري معها والذي هو في الأصل خرق لعقوبات أمريكا على إيران. ولم تلتزم الصين بها وتشتري نحو 80% من صادرات إيران النفطية.
ويظهر أن ذلك التشابه، هو قول البيت الأبيض في بيان أصدره يوم 14/5/2026 "أكد الرئيس الصيني معارضته لعسكرة مضيق هرمز وأية محاولة لفرض رسوم على استخدامه، وأن البلدين اتفقا على أنه لا يمكن لإيران أن تمتلك أبدا سلاحا نوويا". وتعتبر هذه الأمور من مصلحة الصين التي لا تريد أن يسيطر أحد على المضيق ويفرض رسوما على سفنها، ولا تريد أن تكون إيران دولة نووية، فربما تشكل عليها خطرا في المستقبل لكون إيران بلدا إسلاميا. لأن الصين تخاف عودة الإسلام كقوة عظمى عالميا، وخوفها ظاهر بتضييقها على المسلمين داخلها، ومحاربتها للجماعات الإسلامية في آسيا الوسطى حيث اتفقت مع دولها وروسيا باتفاقية شنغهاي.
وأصدرت وزارة الخارجية الصينية بيانا كرد على بيان أمريكا يوم 15/5/2026 قالت فيه: "هذا الصراع، الذي ما كان ينبغي أن يحدث مطلقا، لا يوجد سبب لاستمراره، وإن الصين تدعم الجهود الرامية للتوصل إلى اتفاق لإنهاء حرب أثرت بشدة على إمدادات الطاقة والاقتصاد العالمي". فمعنى ذلك أن الصين هي ضد الحرب على إيران لأنها لا تريد انتصارا لأمريكا حيث يعزز موقفها ضدها.
وجاء رد الرئيس الصيني عندما زاره الرئيس الروسي بوتين وأصدرا بيانا مشتركا يوم 20/5/2026 قالا فيه: "فشلت محاولات عدد من الدول لإدارة الشؤون العالمية من جانب واحد، وفرض مصالحها على العالم بأسره، والحد من التنمية السيادية للبلدان الأخرى بروح العصر الاستعماري". وهذا يؤكد أن ترامب لم يحقق هدفه في الصين، فبهذا البيان مع روسيا رفضت طلباتها.
استيأست أمريكا من الصين فعادت تحرك عملاءها في باكستان لاستئناف المفاوضات وتوقيع اتفاق فقام قائد الجيش حاكم باكستان عاصم منير، الذي ينال ثقة أمريكا لشدة ولائه لها، بزيارة إيران يوم 23/5/2026 واجتمع مع رئيسها ووزير خارجيتها ورئيس برلمانها ومع قيادات من الحرس الثوري. فذكر الجيش الباكستاني أن "قائده أجرى محادثات مثمرة للغاية في طهران وأسفرت عن تقدم مشجع نحو التوصل إلى تفاهم نهائي لإنهاء الحرب".
وأعلن المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية بقائي أن "إيران رصدت ميلا إلى التقارب بعد أسابيع من المباحثات مع أمريكا. ولكن لا يعني بالضرورة التوصل إلى تفاهم بشأن القضايا المهمة، بل يهدف إلى تسوية مقبولة بين الطرفين وأن المرحلة الأخيرة لا تشمل تفاصيل الملف النووي أو العقوبات، ومناقشتها ستأتي بعد التوصل إلى تفاهم مع واشنطن. وقضية الإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة مطروحة على طاولة المباحثات، ومناقشة الملف النووي ستبدأ خلال 30 أو 60 يوما مرتبط بالمراحل المقبلة من التفاوض. وباكستان وسيط رسمي في المحادثات، وقطر تحاول أيضا المساعدة في تسهيلها".
وقال الرئيس الأمريكي يوم 23/5/2026 "إنه جرى التفاوض على جزء كبير من مذكرة تفاهم بشأن اتفاق سلام مع إيران سيؤدي إلى إعادة فتح مضيق هرمز. وسيتم الإعلان عنها قريبا". وقال وزير خارجيته روبيو: "هناك احتمال بأن يسمع العالم أخبارا جيدة خلال الساعات المقبلة خاصة بشأن مضيق هرمز".
وتبعهما رئيس وزراء باكستان شهباز شريف بقوله: "نأمل أن نستضيف الجولة المقبلة من المحادثات بين إيران وأمريكا قريبا جدا". وقال وزير خارجيته إسحاق دار: "إن تقدما أحرز في المفاوضات بين أمريكا وإيران، يوفر أسبابا للتفاؤل بإمكانية التوصل إلى نتيجة إيجابية ودائمة". وأشادا بالرئيس الأمريكي ترامب والتزامه بالحوار والدبلوماسية. وهو الذي ارتكب الجرائم بعدوانه على إيران وبدعمه كيان يهود بالعدوان على لبنان وارتكاب الإبادة الجماعية في غزة وتدميرها.
ونقلت صحيفة واشنطن بوست عن مسؤول باكستاني قوله: "إن قائد الجش الباكستاني سعى إلى تضييق الفجوات بين قضيتين أساسيتين مطروحتين للنقاش في المحادثات وهما السيطرة على مضيق هرمز ومستقبل البرنامج النووي الإيراني" وأضافت الصحيفة أن "المسؤولين الإيرانيين يرغبون في تأجيل المحادثات المتعلقة بالبرنامج النووي إلى حين التوصل إلى اتفاق لإنهاء الحرب وإعادة فتح مضيق هرمز".
ويفهم من كافة التصريحات من كل الأطراف أن هناك اتفاقا محتملا بين أمريكا وإيران وسيكون حول وقف الحرب ووضع مضيق هرمز وتأجيل مفاوضات البرنامج النووي الإيراني.
وذكرت وكالتا أنباء فارس وتسنيم أن "مسودة الاتفاق تنص على وقف الحرب من كلا الطرفين وحلفائهما في المنطقة". وهذا يشمل كيان يهود بأن تمنعه أمريكا من الهجوم على إيران وأتباعها في المنطقة. بجانب "رفع العقوبات على نفط وغاز وبتروكيماويات إيران والإفراج عن جزء من أموالها المجمدة في المرحلة الأولى".
وهذا يدل على فشل أمريكا في حربها، وقد بدأت تناقش مسألة مضيق هرمز التي لم تكن موجودة أصلا، ووجدت بسببها، حيث كان المضيق مفتوحا، غير معسكر، وبدون رسوم. وكان هدفها القضاء على برنامج إيران النووي وإخضاعها لتكون دولة تابعة، فلم يتحقق ذلك.
وأصبحت إيران في موقف يمكنها أن تحافظ على كيانها وتقاوم ضغوط أمريكا ولا تقبل بكل شروطها. وعزز موقفها، موقف الصين الذي رفض الضغط على إيران وأصر على استمرار التبادل التجاري وهو مهم جدا لتمويل نفسها في ظل العقوبات الأمريكية والأوروبية عليها. بجانب موقف روسيا الرافض لحرب أمريكا والذي يعمل على التقارب مع الصين، حيث فشلت أمريكا في التفريق بينهما. وكذلك تحرك قطر التي تناست هجمات إيران عليها بدعوى المشاركة في إتمام اتفاق بين الطرفين.
وهكذا تكون أمريكا خسرت معركة عسكرية أخرى مع المسلمين بعد خسارتها في الصومال والعراق وأفغانستان. ولكن يجب العمل على هزيمتها سياسيا، بحيث لا يبقى لها نفوذ سياسي سواء تبعية سياسية أو سيرا في الفلك أو غير ذلك، وقد صغرت في أعين المسلمين. وهذا يؤكد أنهم قادرون على هزيمتها وطردها من المنطقة عندما تقوم الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة قريبا بإذن الله.






















رأيك في الموضوع