يقول الله سبحانه وتعالى في محكم تنزيله في سورة البقرة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾، وبعدها بآياتٍ قليلة يقول جل وعلا: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ﴾، ليربط بين طاعة الله تعالى في النفس وطاعته سبحانه في نصرة دينه.
آيتان عظيمتان تجمعان بين جهاد النفس، وجهاد العدو، بين محراب رمضان وبندقية الجهاد، في إشارة واضحة إلى أن رمضان هو شهر صوم وصلاة وعبادة، وأيضاً شهر جهاد وفتوحات وانتصارات، وأنه شهر يجمع بين العبادة الروحية والجهاد بأنواعه؛ فهو محراب لتهذيب النفس بالصيام والقيام، وميدان لقتال الظلم، ونصرة المستضعفين، وجهاد الكلمة والمال. هو المعسكر الإيماني الذي نعدّ فيه القلوب لنصرة الحق، ونطهّر فيه السرائر لنستحقّ التمكين، كما حدثت في هذا الشهر الفضيل كبرى غزوات الإسلام التي كان النصر فيها حليف المسلمين من مثل معركة بدر، التي كانت فرقانا بين الحق والباطل، وأصبحت للمسلمين بعدها العزة والمنعة، ومثل فتح مكة، وبه سقطت رايات الوثنية في البلد الحرام، وارتفعت رايات الإسلام. وفيه انتصر المسلمون على التتار في عين جالوت، وفتحوا الأندلس. والعديد من المعارك والفتوحات التي كان لها أعظم الأثر في حياة المسلمين وقعت في هذا الشهر الكريم.
إنه شهر تتجلى فيه حقائق وأخلاق وأحكام القرآن كلّها، كما قال الله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ﴾، ففيه تتجسد كل معالم الخير والإحسان والإيثار. فنكون فيه أقرب إلى الله بالطاعات والعبادات نهاراً وليلاً، وأقرب إلى خلق الله بالإحسان والمساعدة والمودة.
وفيه تأكيد أن الصيام من الشعائر التي تجمع المسلمين في مشارقهم ومغاربهم، وتذكّرهم بأن ربهم واحد، ودينهم واحد، وقبلتهم واحدة، وهمهم واحد. ولكن ومنذ هدم دولة الخلافة والأمة الإسلامية تعيش التفرق والتشرذم، وتعاني الظلم والقهر والذل والتبعيّة حتى في إثبات يوم بدء رمضان أو انتهائه! وحال المسلمين من سيئ إلى أسوأ؛ فالحكم بكتاب الله ما زال معطلاً، وما زالت تطبق علينا الأنظمة الوضعية التي حرّمت الحلال وأباحت الحرام، ونشرت الفساد وشرّدت العباد. ودماء المسلمين مستباحة كما نرى في غزة وكشمير والصين وفي سجون الظلمة في البلاد الإسلامية، وكل مكان فيه مسلمون مضطهدون ضعفاء بلا راع لهم ولا معين.
وفي الوقت نفسه فالأمة تشعر أنه لن يخلصها من سوء ما هي فيه إلا الله، فالكل قد تكالب عليها ونهش من لحمها، وحلّ بها ما أخبرها به الرسول ﷺ أنه ستتداعى عليها الأمم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها.
ولكن هذا الخلاص وهذا التغيير والوصول إلى إحقاق الحق وإظهار الدين لن يأتي بالتمني والرجاء وإن كان رجاء الخير خيراً. ولن يأتي بالدعاء وحده، وإن كنا أحوج ما نكون إلى التضرع والاستغاثة، فالدعاء مطلوب ولكن الإجابة لها شروط، ومن شروطها الاستجابة لله ولرسوله ﷺ، قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾.
فالإسلام حيٌّ في النفوس والحمد لله، والرغبة والعمل لطاعة الله متوفرة عند الكثيرين، وهم مهتمون بمختلف أمور الدين من الدعوة إلى فضائل الأعمال والعبادات والسنن ومنها قراءة القرآن وحفظه، ومحاربة البدعة، والدعوة إلى الأخلاق، ومساعدة الناس، وغيرها من فضائل وقيم وأخلاق ومعاملات سواء أفراداً أو جماعات. واعتبروا أنهم بهذا يؤدون ما عليهم وأنهم برّأوا ذمتهم أمام الله، وأن لا شيء عليهم في عملية التغيير وإقامة المجتمع الإسلامي غير ما يقومون به. صحيح أن ما ذكرناه مطلوب شرعاً وبه أجر القيام به ولكنه لا يغني عن فرض العمل لإقامة الدين، بل يعتبر مقصراً من لم يعمل لإقامة حكم الله في الأرض بالطريقة الشرعية.
وفي رمضان، هذا الشهر الذي أحبه الله وفتح للمسلمين فيه أبواب الخير، وصفّد لهم الشياطين، وجعل لهم الأجر فيه مضاعفاً، فعلى المسلمين أن لا تقتصر طاعتهم على ما ذكرناه من صوم وصلاة وتصدق وغيره بل أن يقوموا كما قام الصحابة والتابعون من قبل بضمّ الفروض إلى بعضها لتكتمل العبادة والطاعة لله ويتضاعف الأجر؛ وعليه فإن عليهم اليوم أن يضموا إلى طاعتهم لله طاعة الدعوة والعمل لإقامة حكم الله وشرعه التي هي من أخص الطاعات وأحبها إلى الله، الطاعة التي توجد بها سائر الطاعات وتمنع بها المعاصي، الطاعة التي تحفظ المسلمين وبيضتهم، الطاعة التي نحقق بها إعلاء كلمة الله وإظهار أمره ووصول خير الإسلام إلى كل الأرض وكل البشر، هي الطاعة التي يكف بها الله سبحانه وتعالى عنا شر يهود وأمريكا وكل قوى الكفر. هي الطاعة التي تحمل الخير لأهلها ولغير أهلها، هي الطاعة التي لا خير إلا بوجودها.
إن رمضان ليس محطة عابرة في تقويم العام، ولا موسماً روحانياً ينقضي أثره بانقضاء أيامه، بل هو لحظات فاصلة في عمر الإنسان؛ فرصة يمنحها الله لعباده ليعيدوا ترتيب أولوياتهم وأوراقهم، ويصلحوا قلوبهم، ويصححوا مسار حياتهم، ويبدؤوا بداية جديدة أكثر قرباً منه سبحانه. وليس هناك من عمل يقرب إلى الله أحبّ إليه سبحانه من العمل لإظهار دينه وإعلاء كلمته. ولا يكون ذلك إلا بالعمل الجاد مع الثلة المؤمنة التي تتأسى بطريقة الرسول ﷺ وتعمل لإعادة تحكيم شرع الله في الأرض، وإقامة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة التي أظل زمانها كما يدل الواقع، وهنيئاً لمن كان من شهودها وجنودها.
أيّها المسلمون المؤمنون: لقد مرّت أمتكم عبر التاريخ وشهور رمضان بابتلاءات عظيمة وشدائد كثيرة، ولكنها ثبتت وصمدت وانتصرت بفضل الله ثم وجود دولة قوية تحكم بشرع الله. فهي كالذّهب الخالص كلّما عرض على النار زاد بريقه، وهكذا يجب أن تعود أمة القرآن مهما اشتدت بها الخطوب والكروب واجتمعت عليها قوى الشر، كما قال الله فيها: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾.
فاجعلوا رمضان هذا شاهداً لكم ولا تجعلوه شاهداً عليكم، اجعلوه شهر نصر وتمكين ولا تجعلوه شهر عجز وضعف.






















رأيك في الموضوع