ليست قضية إبستين جريمة أخلاقية معزولة، ولا انحرافاً فردياً في بنية سليمة، بل هي فضح صريح لطبيعة النظام الرأسمالي من حيث هو نظام حياة فاسد في أساسه، فهي لا تكشف سقوط أشخاص، بل تكشف سقوط منظومة قامت على فصل القيم عن العقيدة، وعلى جعل المنفعة الرأسمالية معياراً، والحرية ستاراً لإطلاق الشهوات، وجعلت الإنسان مشرّعاً لنفسه بدل أن يكون عبداً لله.
فحين تستباح الطفولة في قلب ما يسمى "العالم المتحضر"، ثم تغلق الملفات عند تماسّها مع مراكز المال والسلطة، ويُقدَّم فرد واحد كبش فداء لحماية البنية الحاكمة، فإننا لا نكون أمام خلل في التطبيق، بل أمام أزمة مبدأ وتشريع، فالنظام الرأسمالي القائم على المنفعة لا على الحق ينتج الجريمة حين تخدم مصالحه ثم يحميها حين تهدّد استمراره.
إن الحضارة الغربية، بوصفها حضارة مادية نفعية، لا تملك ميزاناً ثابتاً للعدل، لأنها نزعت السيادة عن الوحي وأسندتها إلى العقل البشري القاصر الخاضع للأهواء والمصالح، لذلك لا تستطيع حماية المرأة إلا بقدر ما تخدم المصلحة الرأسمالية، ولا تصون الطفل إلا ما دام خارج الحسابات النفعية للسلطة والمال، فما يُسمّى "حقوق المرأة" ليس تكريماً إنسانياً، بل توظيف وظيفي، وما يُسمّى "حقوق الطفل" ليس قدسية، بل أداة خطابية انتقائية، وهكذا تُختزل المرأة إلى وسيلة، والطفل إلى ملف، والعدالة إلى إجراء انتقائي يُفعّل ويُعطّل وفق منطق الربح والخسارة.
وحين تنفجر الفضائح، لا تُحاسَب المنظومة، بل يُعاد إنتاج السردية، وتُدار الأزمة إعلامياً، ليبقى النظام الرأسمالي بمنأى عن المساءلة، وليُختزل الفساد في حالات فردية، مع أن الجريمة هنا نتاج طبيعي لبنية فكرية منحرفة.
في مقابل هذا الانحطاط الحضاري، يقدّم الإسلام تصوراً مبدئياً مختلفاً جذرياً، لا على مستوى الأخلاق المجردة، بل على مستوى النظام والحكم، ففي حادثة عمّورية سنة 223هـ، حين صرخت امرأة مسلمة وا معتصماه، لم تكن صاحبة نفوذ ولا ورقة ضغط، لكنها كانت إنسانة في ظل دولة جعلت الكرامة حكماً شرعياً واجب الحماية، أدرك الخليفة أن السلطان أمانة، وأنه مسؤول عن رعيته أمام الله، لا أمام اعتبارات سياسية أو نفعية، فلم تُشكَّل لجان، ولم تُدَر القضية إعلامياً، بل تحرّكت الدولة بقوتها لإعادة ميزان الحق، لأن الإسلام لا يتعامل مع الكرامة كشعار، بل كالتزام سياسي شرعي.
هذا الفرق ليس تفصيلاً تاريخياً، بل نتيجة مباشرة لاختلاف المرجعية، ففي الوقت الذي كانت فيه المرأة الأوروبية تحاكم بتهمة التفكير، كانت المرأة المسلمة تتعلم وتعلم وتداوي وتشارك في الحياة العامة، تأسست جامعة القرويين على يد فاطمة الفهرية، ومنها ومن الأندلس وصقلية انتقلت العلوم إلى أوروبا، لم يكن ذلك انتقال معرفة فحسب، بل انتقال تصور حضاري يرى الإنسان عبداً لله، مكرماً بإنسانيته، لا بقيمته النفعية.
فالغرب الكافر يسعى بكل أدواته وجمعياته لهجمة فكرية عالمية ممنهجة تسعى لنزع المرأة المسلمة من مرجعيتها العقدية، وإعادة تعريفها ضمن منظومة نفعية تجعل قيمتها مقياساً لنفعها للنظام، لا للكرامة أو الشرع، وقد جرى تصوير هذه العملية على أنها "تحرير، وتمكين، ونَسوية"، بينما هي في حقيقتها إعادة إدماج قسري في منظومة نفعية تجعل قيمة الإنسان بمدى نفعه للنظام، وتخضع المرأة لمعيار الربح والخسارة، لا لمعيار الكرامة والأحكام الشرعية.
اليوم وبعد أن فَضحت الحضارة الغربية نفسها أقول للنسويات والجمعيات الحقوقية المصدرات للفكر الغربي، لقد انكشف زيفكم وكذبكم! صرخات الطفلات في أروقة الغرب، ونساءكم الضحايا في فضائح إبستين، لم تحرك شعرة فيكم، لأنكم جزء من منظومة تحمي الجريمة والمال والسلطة، وتبيعون الحقوق لمن يدفع. أما المرأة المسلمة العفيفة الكريمة، فهي التي تكشف فسادكم، وتفضح ازدواجية معاييركم، فتضع الحقيقة في وجوهكم بأن الإسلام لا يجعل المرأة سلعة أو شعاراً، بل كرامتها حكم شرعي تصونه الدولة بالقوة والسلطة والحق، فالمرأة المسلمة اليوم أمام خيار لا يحتمل التردد إما أن تكون أداة في حضارة تحتضر وتستبيح الإنسان، أو أن تكون جزءاً واعياً من مشروع إسلامي عالمي يعيد للإنسان ميزانه ويثبت كرامتها، فكروا، أي حضارة تستحق قيادة الإنسان؟ حضارة تخنق صرخات الطفلات في دهاليز النفوذ، وتدفن البراءة تحت أقدام المال والسلطة، أم حضارة جعلت صرخة امرأة واحدة أمراً يحرك سلطاناً، ويستنفر جيشاً، ويهزّ دولة بأكملها؟
الطريق واضح ولا حياد فيه: إما حضارة المنفعة والانهيار والقذارة، وإما حضارة الوحي والعدل والقيادة والعفة، ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾.






















رأيك في الموضوع