إنّ خطّة أمريكا لتحويل منطقة المشرق العربي إلى منطقة استثمارية تتطلّب بسط قدر كبير من الاستقرار، وعليه لا بدّ أن يُنهَى ما يسمّى (الصراع العربي-الإسرائيلي). وقد مضى ترامب منذ ولايته السابقة سريعاً بما يسمّى باتّفاقيات أبراهام، التي يُراد منها إنهاء الصراع كلّياً، بحيث تعترف دول المنطقة واحدة تلو الأخرى بالكيان الغاصب. والآن لم يبقَ إلّا القليل من الدول التي لم تعترف به، فحتّى تلك التي لم تعترف رسمياً بدأت بالتعامل معه وكأنّه معترَف به. فحين تكون لقاءات على مستوى الوزراء مثلاً بين سلطة سوريا الجديدة ودولة الاحتلال وتتّفقان على التعاون التجاري والزراعي والاستخباراتي والأمني وغير ذلك فإنّ هذا يصنَّف تطبيعا أعلى من مجرّد تبادل السفراء.
إذاً على قدم وساق يتسابق الجميع من أجل أن يصلوا في النهاية إلى التطبيع الكامل. وأخطر ما في هذا التطبيع الجديد أنّه يراد له أن ينال الشرعية الدينية. فمن جهة تتسابق فتاوى فقهاء السلاطين لتسويغ التطبيع مع الكيان الغاصب والخضوع لأوامر أمريكا، ومن جهة أخرى تعمل أمريكا وكيان يهود والحكّام الخونة على الترويج للديانة الإبراهيمية الجديدة التي تجعل جميع سكان المنطقة من يهود والنصارى والمسلمين والفرق المنسلخة من الإسلام ملّة واحدة، باعتبارهم جميعاً أبناء أبي الأنبياء إبراهيم ﷺ. وعلى هذا الأساس سُمّيت الاتّفاقات الأخيرة التي وُقّعت خلال ولاية ترامب الأولى باتّفاقات إبراهيم. وكان لافتاً أنّ زيارة البابا الذي هو أول أمريكي يصل إلى منصب البابوية مع ظن كبير بأصابع لترامب وراء فوزه بالمنصب، كانت زيارته التي جعل عنوانها السلام جزءاً من عمليّة الدفع نحو التطبيع. وكان لافتا للنظر أيضاً أنّ رئيس لبنان التقط الرسالة واستقبله بخطاب ذكر فيه الإبراهيمية ثلاث مرّات، فقد فاخر فيه بأن لبنان جعل من عيد بشارة مريم عليها السلام "عيداً وطنياً لكلّ طوائف لبنان ولكلّ أدياننا الإبراهيمية"! ودعا فيه أيضاً "لقيام السلام والأمل والمصالحة بين أبناء إبراهيم كافة"! وقال: "يمكن لهذا الجمع أن يلتقي حول خليفة بطرس، ممثّلين متّفقين لكلّ أبناء إبراهيم، بكلّ معتقداتهم ومقدّساتهم ومشتركاتهم"! فهو بهذا التصريح يعلن انضمامه إلى مشروع الإبراهيمية. وكان مؤلماً ومخزياً أنّ قارئ القرآن في اللقاء الذي جمع زعماء الطوائف في لبنان مع البابا اختار آيات وردت فيها عبارة السلام أو السلم، ليرسل رسالة بأنّنا نحن أيضاً نريد السلام!
فخطورة خطط السلام اليوم تتجاوز ما سبقها من ناحية أنّها لا تكتفي بالكلام عن ضرورة إنهاء الحروب والدمار والصراع، وإنّما يراد لهذا السلام أن يكون مشرّعاً تحت عنوان عيش جميع سكّان المنطقة معاً عيشاً واحداً بصفتهم جميعاً "أبناء إبراهيم". وما يزيد الأمر خطورة أنّ أمريكا ومعها دولة الاحتلال تهيّئان المنطقة لتتحوّل إلى كيانات مشابهة للكيان الغاصب، بحيث تتحوّل إلى مجموعة من كيانات طائفية أو مذهبية أو عرقية صغيرة، فإلى جانب كيان يهود كيان نصراني، وآخر شيعي، وآخر درزي، وآخر نصيري، وآخر كردي، وآخر سنّي... وهكذا. هذه الكيانات تربطها أمريكا معاً برباط اقتصادي تسيطر هي عليه، من خلال الإمساك بأضلاع المنطقة الاقتصادية الإقليمية الموزّعة بين مكوّنات المنطقة، من أدمغة علمية، وأيدٍ عاملة، ورساميل مالية، وأسواق مستهلِكة، ومصادر طاقة، وشبكات اتّصالات ومواصلات ومرافئ جوّية وبحرية، ومؤسّسات رسمية تمنح التلزيمات قانوناً للشركات الاستثمارية الأمريكية العابرة للحدود، فتهيمن على اقتصاد المنطقة بالكامل. أمّا السلطات الحاكمة حالياً والتي يمكن أن تقوم لاحقاً مع نشوء كيانات جديدة محتملة فستكون قضيّتها الحفاظ على مكتسباتها الطائفية والفئوية، وحراسة حدود الدم التي تنشأ تباعاً على قدم وساق، والتنازع على المناطق الحدودية فيما بينها، واستقطاب الجماهير طائفياً ومذهبياً من خلال التخويف من المكوّنات الأخرى، واللجوء إلى الراعي الأمريكي ليقوم بدور الوساطة بينها كما هو حاصل الآن، إضافة إلى الرهان على البحبوحة المالية النسبية الناشئة من توفّر فرص العمل جرّاء ورشة إعادة الإعمار التي يديرها السيّد الأمريكي. وتأمل أمريكا وربيبها الكيان الغاصب بأن تلتفت الغالبية المسلمة ذات الماضي الثوري والجهادي إلى الركض وراء لقمة العيش وتحسين مستواها المادّي وأخذ دورها في ورشة الإنماء والإعمار، تحت وهم إعادة بناء البلاد واستعادة قوّتها الاقتصادية واقتعاد مكانها اللائق بين الأمم. بينما هي في الواقع تؤدّي دورها المرسوم لها ضمن المنشأة الاقتصادية الإقليمية الأمريكية التي سيكون كيان يهود العضو المدلّل فيها، فيكونون كمَثَل الدجاجة بين قدمي ستالين التي سارعت إلى التقاط الحَبّ الذي رماه لها بعد أن نتف ريشها وأدماها وجعلها تتلوّى من الألم، وفق القصّة الشهيرة المرويّة عنه في سياق توجيهه لأركان سلطته وتعليمهم كيفيّة إخضاع الشعوب وتدجينها. وقد عبّر عن هذه السياسة بكلّ وضوح المندوب السامي الأمريكي لسوريا السفير الوقح طوم برّاك في إجابته على أسئلة بعض الصحفيين: (لا وجود للشرق الأوسط... هناك قبائل، وهناك قرى... الشرق الأوسط لا يعمل بهذه الطريقة، يبدأ بفرد، ثمّ عائلة، ثمّ قرية، ثمّ قبيلة، ثمّ مجتمع، ثمّ دين، وأخيراً هذه هي ماهيّة هذه الأمّة... إنّه وهم الاعتقاد بأنّنا سنجعل ٢٧ دولة مختلفة، تضمّ ١١٠ مجموعات عرقية مختلفة، تتوافق مع مفاهيم سياسية. فمع أيّ مفاهيم ستتوافق ستجعل حياتي وحياة أطفالي أفضل؟).
هذا التصوّر الذي تريده أمريكا لهذه المنطقة التي هي عقر الأمّة الإسلامية، بلاد الشام حاضنة الأقصى وحاضرة الخلافة الأموية والدولة الأيوبية، والعراق حاضرة الخلافة العباسية والدولة السلجوقية، ومصر حاضرة المماليك… يراد لها أن تتحوّل إلى شعوب لا همّ لها سوى السعي وراء وهم رغد العيش، وأن ترمي وراء ظهرها مفاهيم الجهاد وسيادة الشرع وسلطان الأمّة والخلافة الجامعة لها. وليس عبثاً ترويج مقولات من مثل: قُتلنا كثيراً وذُبحنا كثيراً وشُرّدنا كثيراً، وتعبنا كثيراً، وآن الأوان لنلتقط أنفاسنا ونستريح! والحقيقة أنّ خطّة أمريكا السائرة في المنطقة لا تريد لنا أن نلتقط أنفاسنا، وإنّما تريد أن تفتح أمامنا باباً واحدا، ألا وهو باب العيش تحت سلطانها السياسي والاقتصادي والأمني والعسكري، مقابل الحصول على نَزر من رغد العيش. وقد شَرعَت بمشروعها هذا من خلال إلزام أنظمة المنطقة اتّفاقيّات عسكرية وأمنية واقتصادية، كان آخرها دخول الدولة السورية في التحالف الدولي ضدّ (الإرهاب) والإعلان المشترك الأمريكي-(الإسرائيلي)-السوري حول الشروع في اتّفاقات تعاون أمني واستخباري وتجاري وزراعي...
عضو المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير






















رأيك في الموضوع