أواخر كانون الثاني/يناير وأوائل شباط/فبراير 2026، شنّ مقاتلون من جيش تحرير بلوشستان هجمات منسقة في كويته ونوشكي وغوادر ومناطق أخرى، استهدفت منشآت أمنية وطرقاً سريعة ومساكن للعمال. وبعد نحو أربعين ساعة من القتال، أعلن مسؤولون باكستانيون أن 145 مقاتلاً و31 مدنياً و17 من أفراد الأمن قُتلوا؛ لتكون من أكثر الحوادث دموية خلال سنوات.
ما يبدو تمرداً منخفض الشدة يتحول بسرعة إلى لعبة جيوسياسية تمتد من بلاد الشام إلى بحر العرب، حيث تظهر الصين وروسيا والهند وكيان يهود جميعها ضمن المشهد. وتدور اللعبة حول طموح أمريكا الكبير لإعادة تشكيل البلاد الإسلامية بغية تقوية كيان يهود والهند، وفي الوقت ذاته مواجهة الصين وروسيا. ففي تصريحات متداولة على نطاق واسع، روى الجنرال الأمريكي المتقاعد ويسلي كلارك أنه شاهد بعد أحداث 11 أيلول/سبتمبر مذكرة من البنتاغون تتحدث عن خطة لـ"الإطاحة بسبع دول خلال خمس سنوات: العراق وسوريا ولبنان وليبيا والصومال والسودان وأخيراً إيران". وبعد عقدين من الزمن، تفكر واشنطن الآن في "بلقنة" إيران - أي تفتيتها - حتى لو تطلب الأمر التضحية بالنظام الذي خدم مصالحها بإخلاص منذ ثورة الخميني، لتحقيق أهداف استراتيجية جديدة.
وفي عام 2006، نشر المقدم الأمريكي المتقاعد رالف بيترز خريطته "الحدود الدموية"، والتي رسم فيها "شرق أوسط أفضل" من خلال تقسيم الدول الكبيرة والمتعددة الإثنيات إلى دويلات صغيرة متجانسة عرقياً وطائفياً.
وتشير ضغوط أمريكا الحالية على إيران، والاضطرابات المستمرة في بلوشستان، إلى أن واشنطن قد تمضي في المرحلة التالية من خطتها لإعادة رسم الحدود الاستعمارية القديمة بتهشيم البنى السلطوية القائمة وخلق دول جديدة مكانها. ومن منظور الاستراتيجيين الأمريكيين، لا يقتصر القلق على برنامج إيران النووي أو هشاشة باكستان، بل يمتد إلى إمكانية أن تشكل الدولتان مع الصين محوراً متصلاً للطاقة والتجارة يمتد من الخليج إلى تركستان الشرقية. فإيران مستقرة تبيع النفط والغاز إلى الصين بكميات ضخمة، مع باكستان فاعلة تربط تلك الموارد بخطوط أنابيب وموانئ مشروع الممر الاقتصادي الصيني-الباكستاني، ستمنح الصين طريقاً برياً يتجاوز الممرات البحرية الخاضعة للهيمنة الأمريكية. أمّا إيران الممزقة وباكستان الغارقة في التمرد، فتمثلان ممرات غير موثوقة للطاقة نحو الصين، ما يضرب مبادرة "الحزام والطريق" في الصميم.
وبالموازاة مع مساعي أمريكا للإطاحة بمادورو في فنزويلا، وضغط إدارة ترامب للسيطرة على غرينلاند، يسلط تمرد بلوشستان الضوء على الاستراتيجية الأمريكية الكبرى. فهيمنة أمريكا على نفط فنزويلا، واحتكار غرينلاند لعناصرها النادرة ومعادنها الحيوية، يقطعان طرق إمداد الصين بالموارد والطاقة في القارة الأمريكية. ومع تشكيل روابط أمنية جديدة عبر فجوة غرينلاند-آيسلندا-بريطانيا تنشئ أمريكا نقاط خنق لمواجهة طرق الملاحة الصينية والروسية في القطب الشمالي، ما يعزز القلعة الأمريكية في نصف الكرة الغربي.
وهناك بعد روسي أيضاً؛ فإضعاف إيران، وإغراق باكستان في الفوضى والاضطرابات، يحوّل الجناح الجنوبي لروسيا - الممتد من القوقاز إلى آسيا الوسطى وصولاً إلى الخليج - إلى بحر من التقلبات. وقد تنتشر هذه الفوضى سريعاً لتشمل تركيا وتغذي حركات استقلال تسعى لتأسيس دول كردية وبلوشية وغيرها. وهذا السيناريو المرعب قد يجبر الكرملين على سحب قواته من الجبهة الأوكرانية لإخماد الاضطرابات جنوباً، وهو ما يمنح الناتو فرصة للسيطرة وفرض وقف إطلاق نار وفق شروط أمريكا.
قطعة أخرى مهمة من هذه الاستراتيجية الأمريكية هي المثلث الهادئ الذي يربط كيان يهود ودول الخليج والهند. فخلال العقد الماضي، تحولت علاقات كيان يهود مع بعض دول الخليج والهند من اتصالات خجولة إلى شراكات أمنية واستخباراتية وتكنولوجية معلنة. كما أن مشاريع ناشئة مثل "الممر الاقتصادي الهندي-الشرق الأوسط-أوروبا" تُسوّق على أنها مشاريع ربط، لكنها في الواقع بدائل جزئية لمبادرة الصين "الحزام والطريق". ومن خلال تمكين كيان يهود ليكون الذراع الأمنية الأولى لأمريكا في الشرق الأوسط، ورفع مكانة الهند كقوة توازن أمام الصين في شبه القارة الأوراسية، ترسخ أمريكا سيطرتها الطويلة الأمد على هذه الميادين الجيوسياسية الحيوية.
أما ترامب، فيسعى لاستغلال عملية إعادة الهندسة الجيوسياسية هذه لمنع الصين من فك ارتباطها الكامل بالنظام المالي القائم على الدولار، وضمان استمرار تسوية المعاملات التجارية الدولية عبر نظام سويفت، وفي الوقت ذاته، تهدف أمريكا إلى مقايضة هيمنتها على المواد الخام - عبر تأمين النفط الفنزويلي وموارد نصف الكرة الغربي - بالحصول على إمدادات صينية مستقرة من المعادن الأرضية النادرة الحيوية للصناعة والجيش الأمريكي، ريثما تعيد بناء قطاع إنتاجها المحلي منها.
ومن هذا المنظور الاستراتيجي، يتعالى قرع طبول الحرب الأمريكية ضد إيران، مترافقاً مع دعم علني لما يسمى بالمقاومة البلوشية على جانبي الحدود الإيرانية الباكستانية. تتبنى بعض الأوساط المحافظة الآن فكرة تفكيك إيران بالكامل، على غرار ما فعله المغول قبل ثمانية قرون؛ إبادة تامة لا تُبقي ولا تذر. حينها، فشل السلاجقة والخوارزميون وسلاطين دلهي في تجاوز خلافاتهم، فمكّنت انقساماتهم المغول من إفناء الخوارزميين، وإخضاع السلاجقة، ونهب بغداد، وإضعاف سلطنة دلهي حتى العظم.
واليوم، هل سيرتكب حكام تركيا وإيران وباكستان الخطأ نفسه، فيستدعوا نسخة حديثة من حكم التاريخ القاسي، ويقيدوا شعوبهم في "خانات" أمريكية - يهودية - هندية جديدة؟!
بقلم: الأستاذ عبد المجيد بهاتي






















رأيك في الموضوع