لم تكن جزيرة غرينلاند يوماً مجرد كتلة جليدية صامتة في أقصى شمال الأرض، بل كانت دائماً في قلب اللعبة الكبرى بين القوى العظمى. واليوم، يعيد الرئيس الأمريكي ترامب إحياء طموحات عمرها قرن من الزمان، محولاً الصمت القطبي إلى ضجيج سياسي وصراع إرادات. فبين اتفاقيات دافوس، والمطامع الصينية، وضعف القارة العجوز، تبرز التساؤلات: هل اقتربت لحظة خروج غرينلاند من العباءة الدنماركية لتصبح ولاية أمريكية جديدة، أم أنها ستظل ساحة للحرب الباردة القادمة؟
أعلن ترامب يوم 22/1/2026، أنه توصل مع الأمين العام لحلف شمال الأطلسي مارك روته إلى "إطار اتفاق" بشأن جزيرة غرينلاند والمنطقة القطبية الشمالية بأكملها، وذلك على هامش منتدى دافوس الاقتصادي العالمي في سويسرا. ثم أعلن تراجعه عن فرض رسوم إضافية على دول أوروبية كان مقرراً تطبيقها في الأول من شباط/فبراير، كبادرة "حسن نية" بعد التنازلات الأوروبية في هذا الملف.
ولفهم طبيعة الصراع، لا بد من الوقوف على حقائق هذه الجزيرة؛ فهي أكبر جزيرة في العالم، تغطي الثلوج والأنهار الجليدية نحو 80% من مساحتها. تبلغ مساحة المنطقة الخالية من الجليد ما يقارب مساحة السويد، لكن جزءاً صغيراً جداً منها فقط صالح للزراعة.
- المساحة الإجمالية: 2,166,086 كم²
- الجليد والأنهار الجليدية الداخلية: 1,755,637 كم²
- مساحة خالية من الجليد: 410,449 كم² وطول الساحل: 44,087 كم
- يبلغ عدد سكان غرينلاند حوالي 56,500 نسمة، يتركز ثلثهم تقريباً (19,900) في العاصمة نوك.
لقد بدأ اهتمام الولايات المتحدة بجزيرة غرينلاند منذ القرن التاسع عشر، وحاولت شراءها من الدنمارك عدة مرات مثلما اشترت جزر الهند الغربية الدنماركية عام 1917. وقد حاز الموضوع على اهتمام أروقة السياسة الأمريكية في أعوام مختلفة أبرزها أعوام 1867 و1910 و1946 و1955 و2019 و2025. وقد دعا مسؤولون أمريكيون إلى الاستحواذ على الجزيرة مثل وزيري الخارجية ويليام إتش سيوارد وجيمس بيرنز، ونائب الرئيس نيلسون روكفلر، وأخيراً الرئيس دونالد ترامب في فترة ولايته الأولى عام 2019 وأعاد طرح الموضوع بعد انتخابه في عام 2024 لتعزيز النفوذ الأمريكي.
فالمسألة ليست مرتبطة فقط بما اكتُشف حديثاً من معادن وبترول، بل بموقعها الجغرافي الاستراتيجي الذي تراه إدارة ترامب جزءاً حيوياً لا يتجزأ من الأمن القومي الأمريكي.
وحتى نقف على علاقة أمريكا بالجزيرة فقد ذكرت الأخبار الوجود العسكري القوي والقديم في غرينلاند الذي يتمثل في قاعدة بيتوفيك-ثول، ورادارات الإنذار المبكر. وتعود جذور هذه العلاقة إلى عام 1941، حين منحت اتفاقية (ثولساج1) السلطة العسكرية الأمريكية للدفاع عن غرينلاند خشية هجمات النازية. وتطور الأمر في الخمسينات لتصبح الجزيرة موقعاً لأنظمة دفاع جوي مزودة بأسلحة نووية، ما منح أمريكا حرية العمل المطلقة في البر والجو والبحر هناك.
ففي 27/4/1951، تم التوقيع على اتفاقية (ثولساج1) مع أمريكا والتي كانت من أجل مساعدة الدنمارك في الدفاع عن غرينلاند ضمن إطار حلف الناتو. وتم تطوير القاعدة الجوية العسكرية في نارسارسواك إلى قاعدة مشتركة للقوات الدنماركية والأمريكية. وفي نهاية عام 1953 أنشأت أمريكا محطة الأرصاد الجوية على بُعد 140 كم من قاعدة الجيش في كانجرلوسواك. وقد قامت القوات الأمريكية ببناء المحطة دون علم أو إذن الدنمارك. وفي 15/3/1954، بدأ توسيع قاعدة ثول الجوية، وشمل ذلك تركيب نظام دفاع جوي من الجيل الجديد مزود بأسلحة نووية.
في 25/11/2008، أجري استفتاء على قانون الحكم الذاتي في غرينلاند، وصوتت أغلبية كبيرة بلغت 75.5% لصالح الحكم الذاتي الموسع. ويُنظر إلى القانون على أنه خطوة نحو الاستقلال الكامل عن الدنمارك في المستقبل. وفي 21/6/2009، دخل اتفاق موسع حيز التنفيذ بشأن الحكم الذاتي. وبقيت السياسة الخارجية والدفاعية فقط ضمن المسؤولية الدنماركية. وتولت حكومة غرينلاند مسؤوليات الشرطة والعدالة وحماية السواحل، وتشمل تلك التي تؤثر على توفير البحرية ما يلي:
- سوف تحصل حكومة غرينلاند على قدر كبير من الاستقلال في تحديد شؤونها الخارجية.
- لن يتم بعد الآن ربط العديد من جوانب سياسة الشؤون الخارجية بالسياسة الدنماركية.
- سيتم نقل السيطرة على خفر السواحل الغرينلاندي العسكري إلى حكومة غرينلاند.
وهذه الإجراءات أضعفت صلة الجزيرة بالدنمارك وأغرت قوى أخرى كالصين التي صنفت المنطقة "حدوداً استراتيجية جديدة". تسعى الصين لصياغة القواعد الدولية في القطب الشمالي تحت غطاء البحث العلمي، وهو ما يراه الخبراء ستاراً لمصالح أمنية طويلة المدى.
- قالت هيلينا ليغاردا، المحللة في معهد ميركاتور للدراسات الصينية، وهو مركز أبحاث مقره برلين: "من الصعب جداً فصل المصالح الاقتصادية للصين عن مصالحها الاستراتيجية أو الأمنية، فهي جميعها مترابطة".
- وقال ماتي بورانين، الأستاذ المشارك في جامعة الدفاع الوطني الفنلندية في هلسنكي: "إنهم يريدون أولاً توسيع وجودهم عبر الوسائل الاقتصادية والعلمية والدبلوماسية، ثم في المستقبل، قد يجادلون بضرورة قدرتهم على بسط نفوذهم العسكري في المنطقة لحماية تلك المصالح".
وإلى جانب الطموح الصيني، تبرز روسيا كلاعب قطبي مهيمن بامتلاكها أكبر أسطول من كاسحات الجليد النووية، وهو ما يعتبره ترامب تهديداً مباشراً، ما يجعل السيطرة على غرينلاند ضرورة عسكرية لكسر الهيمنة الروسية في القطب الشمالي.
إذاً المسألة تتعلق باستراتيجية ترامب لفرض الهيمنة عبر النفوذ بالقوة. وإذا كان قد قبل بالتنازلات الحالية كأهداف مرحلية، فإنه يخطط للسيطرة الكلية مستغلاً ضعف الاتحاد الأوروبي (الذي أثبتت تجربة أوكرانيا عجز قدراته الدفاعية المستقلة). داخلياً، ومع قرب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس في تشرين الثاني/نوفمبر 2026، يحتاج ترامب لملفات ضخمة لإلهاب حماس قاعدته الانتخابية، التي تنتشي برؤية زعيمها كـ"صانع صفقات تاريخية" يعيد لأمريكا قوتها المطلقة.
وختاماً: يبدو أن غرينلاند لم تعد مجرد جزيرة، بل أصبحت مقياساً لموازين القوى الدولية. فإذا نجح ترامب في فرض رؤيته، فإنه لن يغير جغرافيا المنطقة فحسب، بل سيعلن رسمياً انتهاء عصر الشراكات الأطلسية التقليدية وبداية عصر "الوصاية الأمريكية" الشاملة على ثروات الشمال وممراته.






















رأيك في الموضوع