إنّ ما نشهده اليوم من تحوّلات سريعة في المنطقة، في لبنان وفلسطين وسوريا والعراق، حيث توالت الأحداث الضخمة بسرعة هائلة منذ عمليّة طوفان الأقصى، من مجازر ودمار وأعمال إجرامية قامت بها أمريكا بيد ربيبها كيان يهود، ومن تدمير لقّوة حزب إيران في لبنان، والقضاء على قوّة إيران في سوريا، ومن ثمّ تسليم السلطة في سوريا لهيئة تحرير الشام... يكاد يكون عنوانه واحدا، وهو أنّ أمريكا وجدت أنّ الوقت قد آن لتنفيذ خطّة قديمة، حاولت السير بها في مراحل سابقة، ولكنّها كانت تتعثّر وتفشل كلّ مرّة، وترى الآن أنّ الفرصة باتت سانحة لها.
فأمريكا منذ تبنّيها كيان يهود بعد أن أوجدته بريطانيا كانت غايتها أن تجعل هذا الكيان كياناً راسخاً في المنطقة وأن تحوّله إلى كيان طبيعي بين مجموعة من الكيانات القائمة من حوله، وأن تطوي ما يسمّى بقضيّة الشرق الأوسط أو (الصراع العربي-الإسرائيلي)، ولينشأ تطبيع شامل وكامل مع هذا الكيان. ولكنّ الظروف المعقّدة في المنطقة وكثرة اللاعبين فيها كانت تعيق تنفيذ هذه الغاية، فضلاً عن أنها كانت تنشغل بملفّات أخرى ترى أنّها ذات أولويّة، وبخاصّة خلال سنوات الثورات العربية، إذ كانت الأولويّة عندها لإجهاض هذه الثورات، ولا سيّما في سوريا التي حافظت فيها على النظام طيلة ثلاث عشرة سنة، لتحول دون قيام دولة إسلامية مستقلّة القرار، فكان أن جعلت سوريا ولبنان منذ سنة ٢٠١٥ تحت الوصاية الإيرانية، فوق ما كانت تحظى به من وصاية على العراق، إضافة إلى الدور الذي منحته لروسيا في سوريا. أضف إلى ذلك أنّ أمريكا تولي أهمية كبرى لمنطقة الشرق الأقصى، لمواجهة الصين وتعاظم قوتها الاقتصادية بالدرجة الأولى، فكانت ترى أنّ منطقة الشرق الأوسط نزلت عن مرتبتها لصالح الاهتمام بالشرق الأقصى وتطويق الصين وإنشاء التحالفات الدولية والإقليمية ضدّها. لذا قررت أن تتنحّى إلى الخلف قليلاً في المنطقة، لتعطي أدوارا لغيرها من القوى الإقليمية، على رأسها إيران ثمّ تركيا، فضلاً عن الدور الروسي، وكانت توجّه الأمور من بعيد.
وقد اتّضح لاحقاً أنّ الحزب الجمهوري لم يكن مقتنعاً بهذه السياسة التي اعتمدها أوباما الديمقراطي. فبمجرّد وصول ترامب إلى البيت الأبيض نقض الاتّفاق النووي مع إيران، وشرع بتحجيم نفوذها، وقتل علناً قائد قواها العسكرية الخارجية قاسم سليماني، ليمسك بأوراق المنطقة بيده، ولكنّ خططه فشلت، وفشل في الانتخابات التالية، وعاد الديمقراطيون ورمّموا إلى حدّ ما العلاقة مع إيران، فتباطأت عملية التغيير في المنطقة. ولكن كان لافتاً للنظر بعد عملية طوفان الأقصى أنّ الرئيس الديمقراطي بايدن قرّر في أواخر ولايته السير قدماً في خطّة إنهاء نفوذ إيران في المنطقة، فعمليات تفجير آلاف المقاتلين من حزب إيران اللبناني واغتيال قادته من الصفّ الأوّل والثاني بكاملهم تقريباً إنّما حصلت في عهده، وذلك قبل الانتخابات، وقبل أن يتّضح فوز ترامب في الانتخابات، ثمّ جاء ترامب واندفع بسرعة إلى إكمال المهمّة.
ماذا يريد ترامب؟ بكلّ بساطة ترامب وسائر الوسط السياسي الأمريكي عموماً باتوا متوافقين على ضرورة الإمساك بالمنطقة بشكل مباشر، فأمريكا باتت لا تريد تفويض أحد الوصاية على منطقة المشرق العربي، وتريد أن تأتي بحكّام فيها تابعين لها مباشرة، في لبنان والعراق وسوريا وسائر المنطقة، وتريد أن تنهي الصراع في فلسطين والمنطقة مع كيان يهود، وأن تكرّس تفوّقه في المنطقة.
ما الذي جعل أمريكا تنحو هذا المنحى الآن؟ إنّه تبدّل في نظرتها لمنطقة المشرق العربي. فهي الآن تنظر إليها بوصفها منطقة ذات جدوى استثمارية، فنظرتها إليها صارت شبيهة بنظرتها منذ عشرات السنين إلى دول الخليج من حيث هي أرض استثمارية، لِما يتوقّع فيها من اكتشاف كمّيات كبيرة من الغاز ذات القيمة الاقتصادية الهائلة، وذات القيمة الاستراتيجية التي لا تقلّ أهمّية عن القيمة الاقتصادية، إذ إنّ أمريكا تريد لغاز المشرق العربي والغاز القطري الذي يفترض أن يضخّ عبر خطّ ممتدّ من قطر مروراً بالسعودية وبلاد الشام وتركيا وصولاً إلى أوروبا أن يكون بديلاً عن الغاز الروسي الذي قطعته أمريكا عن القارّة العجوز بإشعالها الحرب الروسية الأوكرانية، لإضعاف روسيا من جهة، ولقطع أواصر العلاقة الاقتصادية التي تنعكس حكماً علاقة سياسية بين روسيا وأوروبا، ولإعادة أوروبا إلى الحضن الأمريكي الذي سيتحكّم بإمدادات الغاز العربي إليها.
يضاف إلى ما سبق أنّ هذه المنطقة هي أيضاً جزء من مواجهة أمريكا لطريق الصين (طريق الحرير) الممتدّ من الصين إلى أوروبا، فأمريكا قرّرت منافسة هذا الخطّ بإنشاء خطّ مُوازٍ من الهند عبر دول الخليج يمرّ بالأردن وصولاً إلى ساحل فلسطين المحتلة، وثمّة ظنّ قويّ بأنّ التمهيد لهذا الخطّ هو من أهداف التدمير المنهجي لغزّة وتهجير أهلها من مناطق محدّدة فيها ومنعهم من العودة إليها، وذلك من أجل تأمين المنطقة التي يفترض أن يمرّ فيها هذا الخطّ. وهذا ليس بعيداً من كلام ترامب عن تشييد منطقة شبيهة بالريفييرا في غزة. ولا ننسى أنّ ثمّة ورشة إعادة إعمار هائلة متوقّعة في غزّة ولبنان وسوريا. ومن الأساليب المعروفة المعتمدة لدى دولة الإجرام الاستعمارية أمريكا حين تقع شركاتها واقتصادها عموماً في ضائقة مالية أنّها تسعى إلى التدمير، من أجل التعمير!
ولنعد بالذاكرة إلى حرب العراق، حين عمد الجيش الأمريكي إلى التدمير حتّى بعد أن انتصر وبان سقوط النظام. لماذا؟ من أجل أن يصبح العراق بحاجة إلى إعادة الإعمار، ومن ثمّ لتأتي الشركات الأمريكية لتعمّر وتنهب تكلفة الإعمار من نفط البلاد. فالدمار الهائل هو بالنسبة لأمريكا ومعظم الدول التي تريد الاستثمار كنز ثمين. وبقدر اتّساع الدمار تتّسع عمليات الإعمار. ومن الذي سيدفع التكلفة الآن؟ دول الخليج كالعادة، فهذه وسيلة لابتزاز المليارات بل التريليونات من الدولارات التي تذهب إلى الاقتصاد الأمريكي من جديد. وقد كانت تصريحات ترامب غاية في الوضوح والوقاحة حين تكلّم عن منطقة سياحية على شاكلة الريفييرا في غزّة، وعن منطقة ترامب الاقتصادية في جنوب لبنان، كما هو كلام الرئيس السوري الجولاني أيضاً بُعَيد سقوط بشار عن بناء برج ترامب في دمشق!
إنّ هذه الخطط الأمريكية الاستثمارية إنّما تتطلّب استقراراً في المنطقة، إذ لا يمكن الاستثمار بغياب الاستقرار، من هنا تأتي أهمّية إسراع ترامب في إنهاء النزاع في المنطقة والمضيّ قدماً وبسرعة في مسلسل تطبيع الأنظمة واعترافها بالكيان الغاصب.
...يتبع
عضو المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير






















رأيك في الموضوع