لم يعد التطبيع مع يهود حدثاً مفاجئاً، أو استثناءً في المشهد السياسي، بل تحوّل إلى مسارٍ يُدار بعناية، تتوزّع فيه الأدوار بين قوى كبرى ودولٍ إقليمية، تُستخدم فيه أدوات ناعمة لإعادة تشكيل الوعي الجماهيري وتفكيك الممانعة الأخلاقية والسياسية.
وفي هذا السياق يبرز الدور التركي بوصفه أحد أكثر الأدوار تعقيداً وإرباكاً، لا لكونه قائد مشروع التطبيع، بل لأنه يؤدي وظيفة التمهيد والاحتواء الخبيثة.
يقدّم أردوغان نفسه، في خطابه السياسي والإعلامي، بصفة المنحاز للقضية الفلسطينية، والرافض لعدوان يهود، مستخدماً لغة عاطفية عالية في الدفاع عن القدس وغزة. غير أنّ هذا الخطاب، عند إخضاعه للفحص النقدي، يكشف أن تركيا تقيم علاقات دبلوماسية كاملة مع يهود، وتشهد علاقاتها التجارية معها تصاعداً مستمراً، فضلاً عن التنسيق الأمني في ملفات إقليمية حساسة.
هذا التناقض بين الخطاب والفعل لا يمكن تفسيره على أنه ازدواجية عابرة، بل هو سياسة واعية تهدف إلى امتصاص الغضب الشعبي الإسلامي، والحفاظ على الاندماج في النظامين الإقليمي والدولي.
وهنا تكمن خطورة الدور التركي: تطبيع بلا صدمة، وتنازل بلا إعلان.
وتُعدّ الساحة السورية من أكثر الساحات تأثراً بالسياسة التركية، بحكم الوجود العسكري، والسيطرة على مناطق واسعة في الشمال السوري، إلى جانب النفوذ على الفصائل المسلحة، والإمساك بملفات اللاجئين، والاقتصاد، والمعابر.
في هذا السياق، لا يدفع أردوغان السوريين إلى التطبيع مع يهود دفعاً مباشراً، بل يُخضعون لمسار أطول وأكثر فاعلية، أساسه الإنهاك وإعادة ترتيب الأولويات؛ ليُعاد تشكيل الوعي السوري تدريجياً، فيغدو الهمّ المعيشي مقدّماً على القضايا الكبرى.
تؤدي تركيا دوراً خاصاً في عملية التطبيع، بحيث تصبح جسراً بين الشعوب الرافضة والأنظمة المطبِّعة، ووسيطاً نفسياً يخفف الصدمة، وأداة لاحتواء الوعي الإسلامي دون صدام مباشر؛ لأنها لا تتصدر المشروع، لكنها تسهم في تمريره بأقل كلفة سياسية ممكنة.
إن أخطر أشكال التطبيع ليست تلك التي تُفرض بالقوة العسكرية، بل التي تُمرَّر باسم الواقعية، وتُغلَّف بلغة المصلحة، وتُسوَّق بعد إنهاك الشعوب، حتى تفقد ثقتها بإمكانية التغيير.
وفي هذا الإطار يصبح الدور التركي نموذجاً لما يمكن تسميته التطبيع الصامت؛ ذاك الذي يُلغي الرفض دون أن يعلن القبول.
إن التطبيع الذي يُسوَّق باسم الواقعية ليس سوى استسلام مؤجّل. ومن هنا فإن الصمت على هذا المسار ليس حياداً، والسكوت عنه ليس حكمة، بل مشاركة غير مباشرة في تصفية القضية، وإعادة هندسة المنطقة على مقاس يهود.
فالتطبيع مع يهود ليس مسألة سياسية عابرة، ولا خياراً تكتيكياً خاضعاً لميزان المصالح، بل هو في جوهره موقف عقائدي أخلاقي قبل أن يكون موقفاً سياسياً؛ ذلك أن فلسطين ليست أرض نزاعٍ حدودي، وإنما هي أرض إسلامية مغتصبة، وكيان يهود ليس دولة طبيعية، بل هو كيان قائم على الاحتلال والعدوان ونقض العهود.
وإن أخطر ما في مسار التطبيع هو تحويله إلى ملف تفاوضي خاضع للبراغماتية، وهو ما يتعارض مع ثوابت الإسلام التي تجعل الموقف من الظلم والاحتلال جزءاً من الولاء والبراء، ومن مقتضيات قوله تعالى: ﴿وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ﴾.
فالتطبيع ليس مجرد توقيع، بل إعادة تعريف للحق والباطل، ومن يخسر معركة التعريف يخسر معركة الوعي قبل أن يخسر معركة الأرض.
يا شعوب الأمة الإسلامية، إن ما يحيط بكم ليس حدثاً عابراً، بل سياسات تُرسم وأنتم المستهدفون. فالوعي ليس ترفاً فكرياً، بل فريضة تحفظ الدين وتصون الكرامة. اعرفوا ما يُدبَّر لكم، وميّزوا بين الحق والباطل، ولا تكونوا أداةً في يد من يضلّل أو يستغل.
بقلم: الأستاذ مؤنس حميد – ولاية العراق






















رأيك في الموضوع