(مترجم)
دخل الصّراع بين أفغانستان وباكستان أسبوعه الثالث على التوالي، مع استمرار القتال بوتيرة متذبذبة. ويتزامن هذا الصراع مع شهر رمضان المبارك، في وقت تشهد فيه مناطق أخرى من البلاد الإسلامية حرباً أخرى تشنها أمريكا وكيان يهود على إيران. وقد أدّى هذا إلى تراجع الاهتمام بالأزمة التي بين أفغانستان وباكستان، رغم عواقبها الإنسانية والأمنية الوخيمة.
وصفت باكستان عمليتها بـ"غضب الحق"، بينما ردّت حكومة طالبان بعملية أطلقت عليها اسم "ردُّ الظُلم". أمّا دول من مثل قطر وتركيا والسعودية، التي لعبت دوراً في تأمين وقف إطلاق النار، فهي الآن منشغلة بأزمات وأولويات أخرى. وقد كان لهذا الفراغ الإعلامي أثر مباشر، حيث استغلته باكستان لتوجيه ضربات أقوى ضدّ حكومة طالبان.
ورغم أنّ باكستان تدّعي أن هدف هذه العمليات هو قصف ملاذات حركة طالبان باكستان، إلا أن الواقع على الأرض يُظهر أنها تستهدف طالبان الأفغانية. يعتمد النمط العملياتي الباكستاني إلى حد كبير على القوة الجوية؛ قصف مستودعات الأسلحة والبنية التحتية العسكرية والمنشآت العسكرية، والقيام بدوريات باستخدام الطائرات بدون طيار، وهو جهد متعمد لإضعاف القدرة العسكرية لحكومة طالبان.
يتشابهُ هذا النمط، إلى حدّ ما، مع النهج الذي اتبعه كيان يهود في السنوات الأخيرة في سوريا ولبنان، من خلال شنّ غارات جوية دقيقة ومتكرّرة بهدف تقويض البنية التحتية فيهما تدريجياً. في المقابل، اعتمدت حكومة طالبان بشكل أكبر على التكتيكات البرية في الدفاع عن نفسها.
الأهداف التي تسعى باكستان لتحقيقها من خلال قصف أفغانستان:
1- الضغط على حكومة طالبان لتغيير سلوكها السياسي والأمني
تشعر باكستان بالاستياء من طالبان الأفغانية. كانت باكستان تتوقّع أنه مع عودة حركة طالبان إلى السلطة، ستُؤمَّن مصالحها الاستراتيجية والسياسية في أفغانستان بشكل طبيعي. لكن طالبان لم ترفض الاستجابة لمطالب باكستان فحسب، بل تبنّت في بعض المجالات مساراً أكثر استقلالية، وأصبحت علاقاتها العملية والسياسية مع الهند مصدر قلق أكبر من وجهة نظر باكستان. لذلك، تسعى باكستان إلى تغيير سلوك حكومة طالبان من خلال الضغط العسكري. فمن جهة، يُجبر ذلك حكومة طالبان في أفغانستان على ممارسة ضغط حقيقي على حركة طالبان باكستان، ومن جهة أخرى، يدفعها إلى مراعاة حساسيات باكستان ومصالحها بشكل أكبر في سياستها الخارجية وفي صياغة العلاقات الإقليمية.
٢- إضعاف حكومة طالبان
تتوافقُ هذه العملية أيضاً مع أهداف أمريكا. إذ تسعى أمريكا إلى إخضاع حكومة طالبان للضّغط عليها لإظهار مرونة في بعض القضايا، مع منعها في الوقت نفسه من التقارب المفرط مع الصين وروسيا. وفي هذا السياق، يُنظر إلى إضعاف القوة العسكرية لحكومة طالبان، بل وتدمير جزء من المعدّات والقدرات المتبقية في أفغانستان بعد انسحاب قوات أمريكا المذل منها، على أنه نتيجة مرغوبة لأمريكا، لا سيما وأنّ ترامب كان قد تحدث مراراً وتكراراً عن استعادة تلك المعدات. من هذا المنظور، تحقق باكستان فعلياً إنجازاً تريده أمريكا كثيراً. وقد أشاد ترامب بالقيادة التنفيذية والعسكرية الباكستانية في الصّراع الأخير، قائلاً: "باكستان تُبلي بلاءً حسناً للغاية في مواجهة طالبان".
- الاستغلال السياسي للأزمات الخارجية
في عام ٢٠٢٥، نجحت السياسة الخارجية الباكستانية إلى حدّ ما في إصلاح العلاقات مع أمريكا والدول العربية، وفي إعادة بناء دورها الإقليمي. إلاّ أنها واجهت إخفاقات جسيمة على الصعيد الداخلي. في مثل هذه الظروف، قد يكون فتح جبهة خارجية مفيداً لمن هم في السلطة لصرف انتباه الرأي العام عن الأزمات الداخلية نحو تهديد خارجي. في الماضي، كانت الهند تلعب هذا الدور؛ أما الآن، فأفغانستان تتحول تدريجياً إلى مركز مماثل لتصدير الأزمة.
إنّ الصّراع بين المجاهدين الأفغان والجيش الباكستاني ليس مجرد نزاع حدودي أو أمني، بل هو يتطور ضمن إطار أوسع من التنافس بين القوى العظمى والديناميات السياسية الإقليمية. لعقود، تمّ تعريف جنوب آسيا على محور التوتر بين الهند وباكستان؛ كشمير. لكن هذا التوتر يحلُّ محله الآن توتر أفغانستان وباكستان؛ خط ديوراند. ويتماشى هذا التحول مع السياسة الإقليمية الأمريكية الرامية إلى تقليص حدّة التنافس بين باكستان والهند بتوجيهه نحو المناطق القبلية الباكستانية وأفغانستان. ونظراً لانعدام الثقة والريبة المتبادلة بين الطرفين، فمن غير المرجّح أن ينتهي التوتر بينهما قريباً؛ إذ يبدو وكأنه حرب استنزاف لا نهاية لها.
تاريخياً، كان شهر رمضان شهر فتوحات، وانتصارات عسكرية كبيرة للأمة الإسلامية ضدّ خصومها. لكن مع الأسف، يجد المسلمون اليوم أنفسهم يريقون دماء بعضهم بعضاً في صراعات تغذيها روح القومية، صراعات تخدم في نهاية المطاف مصالح أمريكا والهند ودائرة ضيقة داخل الجيش الباكستاني. يجبُ على المجاهدين الأفغان والضّباط المخلصين في الجيش الباكستاني وضع حدّ لإراقة الدماء هذه والعمل على إزالة الحدود التي صنعها الاستعمار البريطاني بين بلديهما، وتوحيدهما مع بلاد المسلمين في ظل الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة.
بقلم: د. عبد الرحمن عرفان – ولاية أفغانستان






















رأيك في الموضوع