إنّ أمر فتح خط المفاوضات بين لبنان ويهود ليس بتصور ولا عمل جديد للسلطة اللبنانية ممثلةً برئيس الدولة جوزيف عون ورئيس مجلس الوزراء نواف سلام، اللذين وصلا للسلطة سنة 2025م. فإنّ المتابع للشأن اللبناني يعلم أن مسار المفاوضات مع يهود ليس وليد لحظات الحرب والأحداث الساخنة الأخيرة، بل هي في برنامج عمل السلطة، لا سيما بعد وصول جوزيف عون للرئاسة، حيث برز في لغة خطابه السياسي ما يبرز الابتعاد عن خيار العمل المسلح إلى خيار السلام ولو بشكل حَذِر، ففي تصريح له في 11/7/2025م قال: "السلام هو حالة اللاحرب، وهذا ما يهمنا في لبنان في الوقت الراهن.."، ليتطور الأمر بعد اتفاق وقف الحرب على غزة في 7/10/2025م لانطلاق التفاوض المباشر بين لبنان ويهود في 3/12/2025م بوفد من عسكريين لبنانيين على رأسه السفير السابق سيمون كرم، الذي جاء اسمه وتكليفه نتاج توافق الوسط السياسي عليه بدون استثناء بوصفه ممثلاً مدنياً في الوفد، حيث عقد لقاء في منطقة الناقورة بين لبنان وفلسطين، ولا يخفى قبلها ذلك التصريح لتوم برّاك في 25/10/2025م: "إنّ القطعتين التاليتين من هذا البناء للسلام لا تزالان غير مكتملتين، سوريا ولبنان".
لكن مع ما حدث منذ 28/2/2026م باغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي، وما صاحبه من رد إيران وحزبها في لبنان، ودخول لبنان في أتون المعركة، برز موضوع المفاوضات بين لبنان وكيان يهود بشكل أوسع وأكبر وأصرح، وكأنها كانت الفرصة السانحة للسلطة اللبنانية للقيام بهذه الخطوة الواسعة تحت مسميات إخراج لبنان من الصراعات الإقليمية وفصله عن أي مسار غير لبناني، فبرزت تصريحات تجلت فيها الصورة واضحة؛ فقد أعلن رئيس وزراء لبنان يوم 19/3/2026م لسي إن إن أنه بعث برسالة لترامب "أود أنْ أؤكد للرئيس ترامب استعدادنا للدخول في مفاوضات فورية مع الجانب الإسرائــيلي"، وصرح رئيس لبنان فيما نقلته قناة الجزيرة في 9/4/2026م: "نقوم باتصالات مع أصدقائنا نطالب فيها بوقف إطلاق النار والذهاب إلى المفاوضات"، ثم تصريح نشر على منصة إكس على لسان سيد مرندي عضو الوفد الإعلامي الإيراني المفاوض في باكستان يوم 11/4/2026م قال فيه: "رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام يعرقل وقف إطلاق النار في لبنان من خلال إصراره على أنْ يتم التوصل إليه عبر مفاوضات لبنانية مع النظام الإسرائيلي مباشرةً، وضمن محادثات تطبيع.."!
ثم ها هي تصريحات جوزيف عون ونواف سلام تعود مجدداً لتؤكد المؤكد، فبعد فتح مضيق هرمز ووقف إطلاق النار في لبنان أو الهدنة لعشرة أيام منتصف ليل الخميس 16/4/2026م، جاء فيما نقلته الوكالة الوطنية للإعلام في 18/4/2026م، وأوردته سكاي نيوز عربية في اليوم نفسه: "أوضح سلام، بعد اللقاء، أنّ البحث مع الرئيس عون تناول أيضا الجهوزية اللبنانية للمفاوضات.."، فيما دافع عون يوم 17/4/2026م عن خطوة حكومته لإجراء مفاوضات مباشرة مع يهود، قائلاً: "المفاوضات ليست دليل ضعف أو تراجع أو تنازل، بل هي قرار يستند إلى الثقة بحقوق لبنان..".
وعلى إثر ذلك جاءت تصريحات توم برّاك المبعوث الأمريكي إلى سوريا في تصريح نشرته جريدة النهار اللبنانية في 17/4/2026م متزامنةً مع هذا الواقع: "إنّ الرئيس اللبناني جوزيف عون ورئيس الوزراء نواف سلام هما أفضل من حكم لبنان"، ولا شك أنّ هذه الأفضلية التي يعطيها برّاك ومن ورائه أمريكا لهما نابعة من واقعهما المستجيب لأمريكا في المضي وإعلان بدء المفاوضات المباشرة مع يهود، والتي برز طلعها في واشنطن باتصال تليفوني في 10/4/2026م بين سفير لبنان وسفيرة كيان يهود في واشنطن ورعاية سفير أمريكا في لبنان، ثم أعقبه لقاء يوم الثلاثاء 15/4/2026م في مقر الخارجية الأمريكية.
ومن الجدير ذكره أنّ حزب التحرير في ولاية لبنان كان أشار مبكراً لسير لبنان في هذا المسار التنازلي منذ سنة 2020م، إبان انطلاق عمليات ترسيم الحدود البحرية مع كيان يهود في بيان واضح العنوان "السلام والتطبيع والترسيم وإقامة العلاقات مع كيان يهود الغاصب مسمياتٌ لفعل واحد، خيانة الله ورسوله والمؤمنين". وكان لبنان سائراً بعدها باتجاه ترسيم الحدود البرية بوصفه خطوة ثانية بعد البحرية إلا أنّ ما دخلت فيه المنطقة من أحداث بعد عملية طوفان الأقصى في تشرين الأول/أكتوبر 2023م ودخول حزب إيران في هذه الأحداث عطل الأمر وعرقله لحين. فلما وصل ترامب لرئاسة أمريكا للمرة الثانية وقام بممارسة صلفه على الدائرين في فلكه وعملائه من الأنظمة وخوضه حربا لتسيير مشروعه المسمى "الاتفاقات الإبراهيمية" في المنطقة، عادت السلطة اللبنانية، لكن هذه المرة بشكل فج لإعلان حقيقة مسارها وارتباطه جذرياً بمشروع أمريكا ومصالحها في المنطقة، المفاوضات والسلام والتطبيع مع كيان يهود المجرم الغاصب.
إنّ لبنان سائر بالأصل في هذا المسار، ولكنه اليوم قد أغرق نفسه فيه إلى شحمة أذنيه، وإن أي تأخر في هذا الأمر لن يكون ناجماً عن قناعة سليمة بفساد هذا المسار عند أقطاب الوسط السياسي في لبنان - دون استثناء - بل من ارتباطه بمسارات ومفاوضات دولية أو إقليمية، لا سيما بين أمريكا وإيران، تعطل أو تحرك.
لكن الحدث الذي سيقلب ظهر المجن على هذا المسار الخياني في لبنان والمنطقة - وهو الجدير بذلك شرعاً بل وواقعاً - هو تحرك أهل النصرة في بلاد المسلمين لتسليم الحكم لحزب التحرير لاستئناف الحياة الإسلامية بإقامة دولة الخلافة على منهاج النبوة، لا سيما أنهم - أي أهل النصرة والقوة - قد لمسوا ورأوا بأم أعينهم أنّ المسلمين بميلهم العَقدي، وبجغرافية بلادهم، وتشوه صورة أمريكا ويهود في أذهان العالم، وسقوط الأعراف الدولية وهيئاتها، قد صارت الفرصة سانحةً لهم للإقدام على هذه الخطوة دون تردد. إنّ القضية ليست عظمة السلاح والقوة، بل قوة من يقف خلفهما، وهم المسلمون الذين يتوقون لذلك ما إن يروا القيادة المخلصة أمامهم ترعى شؤونهم وتدافع عن دمائهم وأموالهم وأعراضهم وديارهم.






















رأيك في الموضوع