لم يكن ما شهده العالم خلال عقد ونيف من الثمانينات مجرد تحركات سياسية أو عسكرية عابرة، بل كان زلزالاً ضرب عمق المفاهيم والأفكار البالية التي رُسخت في أذهان الشعوب لعقود. إننا نعيش اليوم مرحلة التصحيح الكبرى للوعي الجمعي، حيث سقطت أدوات الترهيب التي حاولت الأنظمة الاستبدادية زرعها عبر قيم الأنانية والخوف، لتبرز مكانها فطرة الشعوب التواقة للحرية والكرامة.
الحاضنة الشعبية: الدرع الذي لا يُهزم
إن سر الصمود الأسطوري الذي نشهده اليوم يكمن في الحاضنة الشعبية؛ تلك القاعدة الصلبة التي لم تعد مجرد داعم للمشاريع التحررية، بل أصبحت هي المبتدأ والخبر. لقد أثبتت التجربة أن الحاضنة الواعية هي المختبر الحقيقي للثبات؛ فرأينا الأم التي تودع ابنها صابرة، والمجتمع الذي يحتضن خيار المقاومة رغم الثمن الباهظ. هذه الحاضنة هي التي كسرت أسطورة "العين لا تقابل المخرز"، وحولت الانكسار النفسي إلى اتقاد ثوري، مؤكدة أن الالتفاف الشعبي هو الضمانة الوحيدة لإسقاط منظومات الاستبداد والتبعية.
سقوط "البعبع" وزلزال أكتوبر
لقد جاءت عملية طوفان الأقصى لتكون النقطة الفاصلة التي أغلقت باب التاريخ القديم وفتحت زمناً جديداً. لسنوات طويلة، روجت الدعاية الدولية لكيان يهود والقوى العظمى التي تقف خلفه بوصفها القوة التي لا تقهر، لكن أحداث تشرين الأول/أكتوبر 2023 وما تلاها كشفت العوار الاستراتيجي لهذه القوى.
لقد تحول الحديث من الهيمنة إلى الوجود، وسقطت الهيبة النفسية في أزقة غزة وعلى أسوار اليقين الجديد. ما كان يخيفنا بالأمس كـ"بعبع" عسكري، بات اليوم مادة للتحليل حول عجز أمريكا ووهن يهود. إن مواجهات حرش الجبيلية في نوى وبيت جن في سوريا، وصولاً إلى ملاحم غزة، أثبتت حقيقة واحدة وهي أن القوة المادية، مهما بلغت، تظل قاصرة أمام إرادة القائد المبادر الذي ينطلق من عقيدة ومبدأ.
المخاض العسير وولادة النظام الجديد
إن المنطقة اليوم لا تمر بمجرد أزمة، بل تعيش حالة مخاض لولادة نظام دولي جديد سيغير وجه التاريخ. إن عالم ما بعد طوفان الأقصى يختلف جذرياً عما قبله؛ فالرهانات القديمة على استقرار العروش أو التوازنات الأمنية الهشة باتت رهانات خاسرة.
نحن اليوم أمام مسارين لا ثالث لهما: إما التمدد الذي يحلم بابتلاع المنطقة من النيل إلى الفرات في حال انكسار إرادة الشعوب. أو بزوغ فجر السيادة حيث تشكل غزة والشام اليوم الميزان الذي سيحدد ملامح الخارطة القادمة، واقتلاع كل الكيانات الطارئة التي تفتقد للجذور والمبادئ.
خاتمة: السياق الطبيعي للجسد الواحد
إن التحام عزة الشام وثورتها مع بطولة غزة هو الحالة الطبيعية لأمة وصفها رسولها ﷺ بقوله: «مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى». هذا المد الجماهيري والوعي المتصاعد هو السياق الطبيعي لاسترداد الهوية، والوقوف ضده هو مقامرة خاسرة تضع أصحابها في خانة الأعداء.
المنطقة تتجهز لولادة كبرى، والاقتراب من الأهداف العظمى بات أقرب من أي وقت مضى. ومن يظن أن "البعبع" ما زال مخيفاً، فهو يقرأ من كتاب قديم أُحرقت صفحاته بلهيب الإرادة الشعبية والمواجهات الميدانية. لقد استرد الناس فطرتهم، وما هو إلا قليل حتى يتجسد التحرير الكامل، ويُكتب تاريخ جديد بمداد من العزة والكرامة، تاريخ يقوم على دولة مبدئية ترعى الناس رعاية حقيقية كما شرع الله، دولة تنقل الناس من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، دولة تنقل الناس من ظلمات المستعمرين الجشعين إلى نور الإسلام ورحمته، إنها دولة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة القائمة قريبا بإذن الله، هم على يقين بذلك ويعملون لمنع عودتها ونحن على يقين ومدعومون بوعد من الله سبحانه، ولن يخلف الله وعده، وبشرى من رسوله ﷺ.
* عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية سوريا






















رأيك في الموضوع