حين شنّت أمريكا وكيان يهود حربهما الثانية على إيران نهاية شباط/فبراير الفائت كان هدف أمريكا إخضاع النظام بحرب محدودة الأمد، لتتحوّل إيران من دولة تدور في فلك أمريكا إلى دولة تابعة لها، تحقّق لها مصالحها وتسير معها في خطّتها لمنطقة الشرق الأوسط، أو على الأقلّ لتقطع أذرعها وأصابعها الممتدّة فيها وتقضي على عناصر قوّتها العسكرية التي تهدّد وجودها في المنطقة، كما تشكّل تهديدا ماثلا لكيان يهود في أيّ وقت من الأوقات. وليس إسقاط النظام بمجمله هدفا لها، لأنها تدرك أنه ما من قوة سياسية بديلة قادرة على حكم البلاد، وبالتالي فإن سقوط النظام في دولة تتكون من مجموعة من المكونات العرقية والقومية والطائفية المتعددة والمتحفزة للانفصال سيؤدّي إلى الفوضى التي ليست من مصلحة أمريكا، ولا أي دولة من الدول الكبرى والدول الإقليمية المجاورة لإيران.
شنت أمريكا هذه الحرب مستهدفة كبار رؤوس النظام والقادة العسكريين على نحو واسع ومفاجئ وصاعق، بدءاً بالمرشد الأعلى نفسه. كما استهدفت كمّاً ضخما من الآلة الدفاعية والصاروخية والجوية والبحرية، على أمل أن تُحدث هذه الصدمة تصدعاً في النظام وقوته العسكرية، فيسارع من تبقى منه إلى طرق باب المفاوضات درءا لسقوطه، فتملي عليهم أمريكا شروطها التي تفضي إلى إرغامه وخضوعه دون سقوطه. ولكن المفاجأة كانت أن البنية العسكرية الإيرانية أثبتت تماسكها وقدرتها على الاستمرار، رغم كل الخسائر التي تكبدتها في قياداتها العسكرية وفي آلتها العسكرية، ورغم إبادة معظم رموز النظام السياسي. بل إن ما تبجح به ترامب مرارا من أنه دمر كل شيء وأنه قتل الجميع بحيث بات لا يعرف مع من يتكلم في إيران، جعل القادة العسكريين لا يجدون خيارا أمامهم سوى اعتماد المواجهة العسكرية المدفوعة برغبة الانتقام أولا، وبالحرص على الصمود ثانيا، وبالتخطيط لإيقاع أكبر قدر من الأذى والضرر في العدوّ ثالثا. ولم تقتصر أهدافهم على إيقاع الأذى العسكري والتدمير فقط، وإنما أضافوا إليها ليّ ذراع الإدارة الأمريكية بالعنصر الاقتصادي، باستهداف المنشآت الحيوية في دول الخليج النفطية، وكان الأخطر والأشد إيلاماً إغلاق مضيق هرمز، ما أدى إلى ارتفاع أسعار الطاقة في العالم كله، بما فيه أمريكا.
وبهذا تكون أمريكا ودولة يهود قد ورطتا نفسيهما في استنزاف عسكري واقتصادي، ينعكسان استنزافا سياسيا لترامب وولايته الرئاسية وحزبه الجمهوري. وبعد إدراكه للمأزق الذي وقع به راح يكرّر الكلام على رغبة الإيرانيين بالتفاوض، بينما يكشف الإيرانيون كذبه إذ ينفون سعيهم إلى التفاوض. وكلما عجز عن إخضاعهم واستدراجهم إلى المفاوضات محاولاً الخروج من مأزق الحرب، راح يبحث عن مخارج جديدة ليعلن انتهاءها دون أن يظهر بمظهر الخاسر ولا يجدها حتى الآن، ولا سيما مع خذلان حلف الناتو له، وفي مقدمته دول أوروبا. وها هو بعد هذا المأزق يلجأ إلى جعل فتح مضيق هرمز هدفا أساسياً لحربه بحيث إنْ حقّقه أظهر نفسه منهياً للحرب منتصراً. ولم يجد عساكره بُدّاً لتحقيق هذا الهدف من احتلال جزر إيرانية حيوية قرب المضيق، وربما بعض السواحل الإيرانية، فبدأ بحشد قواته البرية في المنطقة. وهو يَعِدُ الأمريكيين وسائر العالم الآن بأن عمليته البرية هذه لا تتطلب أكثر من أسابيع، ولا تحتاج مدة أشهر. فهل هذا الهدف مضمون التحقيق؟ وهل إن تحققَ سيكفل إنهاء الحرب وفتح المضيق؟
الجواب هو أنه لا هدف غزو الجزر وبعض السواحل مضمون التحقق، ولا هو إن تحققَ سيكفل إنهاء الحرب وفتح المضيق. فالحرب البرية قد تفتح على الجنود الأمريكيين باب الجحيم، إذ يكونون عرضة لوابل النيران الإيرانية من مسافة قريبة، سواء أثناء محاولة الغزو أو بعد إنجازه. ولن يكون النجاح المحتمل في الغزو البري ضامناً لفتح المضيق، لأن إيران ستبقى قادرة على استهداف أي سفينة لا ترغب بعبورها المضيق، فقدرتها هذه ليست مشروطة بوجودها في البحر ولا على الجزر ولا حتى على السواحل القريبة. وستكون أقدر على استهداف الجنود الأمريكيين الموجودين على جزرها وأراضيها. بل وستبقى قادرة على متابعة إرسال صواريخها وطائراتها المسيّرة إلى الأهداف التي تقصفها الآن في دول الخليج والأراضي الفلسطينية المحتلة. والخلاصة أن ما يلجأ إليه ترامب الآن من مخارج قد لا يكون سوى مأزق إضافي، يزيد ورطته العسكرية والاقتصادية والسياسية.
إن أخزى ما في مشهد هذه الحرب هو موقف الدول المحيطة بإيران وفلسطين. فالخطيئة، بل الخيانة التي ارتكبها نظام طهران حين لم يواكب عملية طوفان الأقصى، بل تنصّل منه، حين تزلزل كيان الاحتلال، وقرر خذلان غزة وخيانتها، بل وخذلان حزبه في لبنان، طوال سنتين تحت عنوان "الصبر الاستراتيجي"، هذه الخيانة ذاتها ترتكبها اليوم دول المنطقة، من باكستان إلى تركيا والسعودية ومصر والأردنّ وسوريا... واللائحة تطول، وهي جميعها ترى نصب عينيها الفرصة التاريخية المتمثلة بمأزق أمريكا وكيان يهود. إذ ها هما يعجزان عن هزم دولة واحدة لا تقارب قدرتها العسكرية قدرة باكستان أو تركيا، فكيف لو خاضت هذه الدول مجتمعة حرباً واحدة لإزالة هذا الكيان المسخ وطرد نفوذ أمريكا من المنطقة؟ فلو كان لدى هؤلاء الحكام قلة من دين ونخوة، بل شيء من دهاء مبني على الانتهازية الأنانية حتّى لوجدوها الفرصة السانحة ليلتحقوا بسجل الأبطال بأقل بكلفة. ولكن الحقيقة أنهم جبناء لا يستحقون هذا الشرف، ويعلمون أنهم أضأل كثيراً من حمل وسامه، لأنهم اعتلوا عروشهم ليكونوا أعواناً لفرعون العصر وليكونوا أعضاء في أقذر أسرة دولية شهدها التاريخ.
سيعلق معلقون فورا على هذا الكلام، بأن هذه حرب إيران التي لطالما غدرت بأهل المنطقة، فلماذا يخوضونها معها؟ والجواب بكل وضوح ودونما مراعاة للخواطر: هذا موقف من لا يرى أبعد من أرنبة أنفه. فقتال كيان يهود لتحرير الأرض المباركة واجب قبل هذه الحرب بعشرات السنين، فقد وجب منذ ثمان وسبعين سنة، أي منذ اغتصاب يهود معظم فلسطين. ثم إن هذه الحرب ليست حرب أمريكا على إيران، وإنما هي مرحلة ضمن حملة أمريكية عملاقة على المنطقة كلها، لتغيير وجهها وإخضاعها إخضاعاً لم يسبق له مثيل. وكما يجدر بحكام إيران اليوم أن يندموا على "صبرهم الاستراتيجي" الخياني تجاه غزة الذبيحة، سيندم هؤلاء الجبناء من موقفهم هذا حين يأتي عليهم الدور، وحينئذ لن ينفعهم قول "أُكلت يوم أُكل الثور الأبيض"!
عضو المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير






















رأيك في الموضوع