إن ما تعانيه بلاد المسلمين اليوم من بطالة مرتفعة، وتضخم، وانهيار في العملات، وفجوة طبقية واسعة، هو نتيجة مباشرة لتطبيق نظام رأسمالي لا ينسجم مع عقيدة الأمة ولا مع مصالحها. فحين تُباع الثروات العامة، وتُخصخص المرافق الأساسية، وتُفتح الأسواق دون حماية مدروسة وبعيدا عن أحكام الإسلام، يصبح الاقتصاد هشاً، ويصبح القرار السياسي رهينة.
إن التحرر الاقتصادي لا ينفصل عن إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة. فالنظام الاقتصادي الإسلامي لا يمكن تطبيقه تطبيقاً كاملاً إلا في ظل دولة تتبناه مبدأً شاملاً، وتجعل السيادة للشرع، والسلطان للأمة. الإصلاح الجزئي داخل النظام الرأسمالي يبقى محدود الأثر، لأن الأساس نفسه فاسد.
إقامة دولة تطبق الإسلام تعني إعادة تعريف وظيفة الاقتصاد، من أداة لزيادة الناتج القومي بمعايير رقمية مجردة، إلى وسيلة لرعاية شؤون الناس وإشباع حاجاتهم الأساسية تمكيناً لهم من القيام بواجباتهم. الدولة في الإسلام مسؤولة عن ضمان الحاجات الأساسية لكل فرد من المأكل، والملبس، والمسكن، والأمن. وهذا لا يتحقق بالشعارات، بل بإدارة رشيدة للملكيات العامة، ومنع الاحتكار، وتوجيه الاستثمارات بما يخدم المجتمع لا المضاربين.
إن المعركة اليوم ليست معركة أرقام وموازنات فحسب، بل معركة مفاهيم. هل المال وسيلة لتحقيق العدل وفق شرع الله، أم أداة لتعظيم الأرباح ولو على حساب الفقراء؟ هل الدولة راعية لشؤون الناس أم مجرد منظم لسوق حر؟ الإجابة عن هذه الأسئلة تحدد طبيعة النظام برمته.
الأمة حين تستعيد نظامها الاقتصادي الإسلامي تستعيد قرارها السياسي. وحين يتحرر قرارها من ضغط الديون وشروط الدائنين، يصبح بإمكانها رسم سياسات خارجية حقيقية، وتمويل مشاريع استراتيجية، وتوحيد الطاقات في إطار دولة واحدة قوية. عندها فقط تتجسد السيادة حقيقة لا شعاراً.






















رأيك في الموضوع