(مترجم)
قال الله سبحانه وتعالى: ﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً * الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً﴾.
إنَّ اعتراف وزير دفاع باكستان خواجة آصف الأخير، في الجمعية الوطنية يوم 10 شباط/فبراير 2026، بأن الغرب قد استخدم باكستان "أسوأ من ورق التواليت" ثم ألقاها جانباً، ليست لحظة محاسبة للنفس، بل هو اعتراف مخز من مرتزق مأجور أدرك أخيراً أن سيّده لم يعد بحاجة إلى خدماته. إن هذا التصريح بمثابة الحبل الذي يشدّ أعناق القيادة المدنية والعسكرية في باكستان في سلسلة واحدة من الخيانة تمتدّ منذ نشأة باكستان "حصن الإسلام" إلى الحالة الراهنة من الخذلان. وكلمات آصف هي إدانة ذاتية لسياسة خارجية لم تُصمَّم قط لطاعة الله سبحانه وتعالى ولا لخدمة الأمة، بل لخدمة المصالح الاستراتيجية للصليبيين في واشنطن ولندن. وبإقراره بأنهم "استُخدموا"، فقد اعترف بأن دماء المسلمين، وموارد البلاد، وكرامة جيش باكستان المسلم قد حُوِّلت إلى سلع رخيصة في سوق جيوسياسي عدواني لا يخدم إلا الكفار.
ولم تبدأ هذه السلسلة من الخيانة مع النظام الحالي؛ بل هي الشيفرة الجينية لدولة ما بعد الاستعمار، والتي بدأت مع أيوب خان الذي كبّل الأمة بعربة أمريكا من خلال "سيتو" و"سنتو"، وحوّل القوة الفريدة للجيش المسلم إلى قوّةٍ للإيجار لصالح الغرب ضد الشيوعية، بينما سلّم أنهار كشمير إلى الهند عبر اتفاقية مياه السند. ثم انتقلت عصا الخيانة إلى يحيى خان وذو الفقار علي بوتو، اللذين شاركا في فصل باكستان الشرقية، ثم في اتفاقية شِملا التي حوّلت خط وقف إطلاق النار إلى خط المراقبة، فجزّأت كشمير فعلياً ودفنت مطلب الجهاد تحت ثقل الثنائية والمفاوضات الثنائية.
ثم جاء ضياء الحق، الذي خدع المجاهدين المخلصين؛ فخاض حرب أمريكا ضد السوفييت في أفغانستان، مستخدماً دماء المسلمين لتحطيم الجيش الأحمر، لكنه أوقف مسيرة الإسلام قبل أن تُقيم الخلافة، ليضمن بقاء المنطقة في الفلك الأمريكي. وتعمّقت الخيانة تحت الأقنعة الديمقراطية لبنظير بوتو ونواز شريف. فإن بنظير وطلباً لرضا الغرب، ساعدت في تأمين الجبهة الغربية للهند، ومكّنتها من تركيز قواتها ضد مسلمي كشمير. أمّا نواز شريف، فبدافع هوسه بـالسلام من أجل التجارة وإعلان لاهور، فقد طعن جهاد كشمير في الظهر خلال كارغيل، إذ سحب القوات المنتصرة بمجرد مكالمة هاتفية واحدة من بيل كلينتون. وقد مهّد ذلك الطريق للطاغية برويز مشرّف، الذي صاغ شعار "باكستان أولاً" ليبرّر عملياً "أمريكا أولاً". لقد قدّم القواعد الجوية واللوجستيات والمعلومات الاستخباراتية التي مكّنت أمريكا من قصف مسلمي أفغانستان حتى صاروا تراباً، وفي الوقت نفسه حظر جماعات جهاد كشمير، ووسم المحرِّرين المخلصين بـ(الإرهاب) إرضاءً لأسياده في الغرب.
ومع ذلك، فإن أحلك الفصول كُتبت على يد الثلاثي الحديث: أشفق برويز كياني، وراحيل شريف، وقمر جاويد باجوا. فكياني وراحيل أحرقا المناطق القبلية في باكستان في إطار الحرب على الإرهاب، فقتلا الآلاف من شعبهما لتأمين الاحتلال الأمريكي على الجانب الآخر من الحدود. لكن الجنرال باجوا هو من دقّ المسمار الأخير في نعش كشمير. فعندما ألغت الهند المادة 370 في 5 آب/أغسطس 2019، وضمّت كشمير وحوّلتها إلى معسكر اعتقال، لم يقدِّم باجوا وحكومة عمران خان سوى خطاباتٍ جوفاء و"دقيقة صمت" لا تساوي شيئاً. وفي السرّ، فرض باجوا وقف إطلاق نار مخزياً على خط المراقبة، ما سمح للهند بنقل قواتها من الحدود لسحق المقاومة الداخلية في الوادي. هذه هي عقيدة باجوا التحوّل من الجيوسياسة إلى الجيواقتصاد، والتي لم تكن سوى مصطلح متأنّق لبيع دم كشمير مقابل قروض صندوق النقد الدولي ومتطلبات مجموعة العمل المالي. أمّا النظام الحالي لشهباز شريف وعاصم منير فليس إلا قيّماً على هذه المقبرة، يواصل سياسة التطبيع مع الهند التي تهدّد المسلمين علناً، بينما يتسوّل من الغرب بضعة مليارات من الدولارات لإبقاء جهاز التنفس الاصطناعي يعمل.
يا خواجة آصف، يا حُكّام باكستان:
إن كشمير شاهدة على اعترافكم، وإن جبال الوادي، المشبعة بدماء الشهداء، تشهد عليكم. إن "الاستعمال" الذي تشتكون منه كان خياركم أنتم؛ بعتم آخرتكم مقابل السلطة والكرسي. لقد حوّلتم الجيش الباكستاني أسد الأمة إلى حراس لمصالح أمريكا والهند. لستم ضحايا؛ أنتم شركاء في الجريمة، صرخات الأمهات في سرين، وعيون الشباب المعميَّة بالرصاص الانشطاري، والقبور المجهولة، لا تطلب منكم "دعماً أخلاقياً" ولا شكواكم من أنكم "مستعمَلون" ومنبوذون، بل تلعن خيانتكم.
إلى الضباط المخلصين في الجيش الباكستاني:
إن اعتراف وزير الدفاع هذا صفعةٌ على وجوهكم. قيادتكم تعترف بأنها "ورق تواليت" بيد الغرب! فإلى متى ستواصلون حمل أوزار هؤلاء العملاء؟! إلى متى ستسمحون لقوّتكم أن تستخدم لخدمة المصالح الأمريكية بينما يسحق مسلمو كشمير سحقاً؟! لقد باعكم هؤلاء الحكام، وباعوا الأمة، وهم ماضون إلى واد سحيق، ولن يُذكَروا إلا كخونة مهّدوا الطريق لتطبيق الكفر على أرض فتحت بسيف محمد بن القاسم. لقد آن أوان تمزيق عقد العبودية هذا. آن الأوان لتعطوا نصرتكم لحزب التحرير لإقامة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة، التي سترفع عنكم هذا الذلّ، وتحرّر كشمير، وتتعامل مع الغرب لا كسيدٍ يُطاع، بل كعدوٍّ يُواجَه. قال الله سبحانه وتعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيراً وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾.
بقلم: الأستاذ محمد يونس – الهند






















رأيك في الموضوع