ليس غريباً أن يُحارَب حزبٌ لا يعترف بقواعد النظام الدولي القائم، ولا يستأذن الأنظمة الحاكمة في حمل فكرته، ولا يقبل أن تكون شرعيته مستمدة من دساتير بشرية أو اعترافات سياسية. فحزب التحرير، منذ نشأته، لم يدخل في صراعٍ جزئي مع نظام بعينه، بل دخل في صراع جذري مع الإطار الفكري والسياسي الذي تقوم عليه هذه الأنظمة أصلاً، ولذلك كان استهدافه أعمق وأشد من استهداف غيره.
إن الأنظمة القائمة في بلادنا تشترط على أي عمل سياسي أو دعوي أن يحصل على تصريح وإذن منها، وهذا التصريح ليس إجراءً إدارياً بريئاً، بل عقد إذعان فكريّ وسياسي، يتضمّن الاعتراف بالحدود الوطنية التي رسمها الاستعمار بين بلاد المسلمين حين قسمها بعد أن هدم خلافتهم، والإقرار بشرعية الدولة القُطرية، وقبول النظام الديمقراطي بوصفه مرجعية الحكم والتشريع. وهذه الشروط ليست شكلية، لأن من يقبل بها يكون قد اعترف ضمناً بأن السيادة للشعب لا للشرع، وبأن الأمة مقسّمة شرعاً وسياسياً، وبأن ما فرضه المستعمر أصبح واقعاً لا يجوز تغييره.
من هنا يرفض حزب التحرير مبدأ أخذ التصريح أو طلب الإذن من الأصل، لأنه يرى أن الدعوة إلى الإسلام ليست منحة تُعطى من حاكم، ولا رخصة تُستخرج من وزارة، بل هي تكليف شرعي من الله سبحانه وتعالى، الذي قال: ﴿ادْعُ إِلِىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾، وقال سبحانه وتعالى: ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾. وقال عز من قائل: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ فكيف يُطالَب من يحمل هذا الخطاب أن يطلب الإذن ممن يقوم نظامهم أصلاً على تعطيل شرع الله تبارك وتعالى؟
ثم إن جوهر الصراع لا يتعلّق بحزب بعينه، بل بالفكرة التي يحملها. فحزب التحرير يدعو صراحة إلى توحيد الأمة الإسلامية، ويرفض القومية والوطنية، ويعتبرهما أفكاراً دخيلة مزّقت المسلمين وحوّلتهم إلى شعوب متناحرة تخدم مصالح غيرها. وهذه الدعوة تحديداً هي أكثر ما يُقلق الدول الاستعمارية، لأن وحدة الأمة الإسلامية تعني سقوط أدوات السيطرة، وانهيار منظومة النفوذ السياسي والاقتصادي والعسكري التي بُنيت على التجزئة المقيتة.
ولأن المستعمر لا يحكم معظم البلاد الإسلامية مباشرة في هذه الأيام، وإنما يحكمها عبر أنظمة محلية (وطنية وقومية) وظيفية، فإن مواجهة حزب التحرير تتم غالباً بأيدي هذه الأنظمة. فيُضيَّق عليه، ويُمنع، ويُلاحَق شبابه، وتُلفَّق لهم التهم الجاهزة من قبيل "التطرف والإرهاب"، ليس لأنه مارس العنف والعمل المسلح، بل لأنه يفضح هذه الأنظمة الخائنة، ويكشف حقيقة ارتباطها بالدول الاستعمارية، ويُسقِط عنها شرعية التمثيل الإسلامي أمام شعوبها.
إن الخطر الذي يمثله حزب التحرير في نظر الدول الاستعمارية وأذنابها حكام المسلمين لا يكمن في سلاح يحمله، ولا في عمل عسكري يهدد به، بل في مشروع فكري عريق ينسف الأسس التي قامت عليها الدولة الحديثة (العلمانية) في البلاد الإسلامية. فهو لا يطالب بإصلاح جزئي، ولا بتغيير الوجوه فقط، بل يعمل لإزالة أنظمة كاملة بُنيت على غير الإسلام وتحكم بغير شرعه، وإقامة نظام يستمد تشريعه وسيادته من الوحي، لا من الأمم المتحدة ولا من السفارات الأجنبية.
ولهذا فإن محاربة حزب التحرير ليست رد فعل على أفعال ميدانية، بل هي إجراء استباقي ضد فكرة إن قُدّر لها أن تنتشر فلن تترك للنظام القائم مبرراً للبقاء. فالفكرة التي تقول إنّ الحكم لله، وإن الأمة واحدة، وإن الاستعمار عدو، وإن الحكّام أدوات بيد الاستعمار، هي فكرة لا يمكن احتواؤها ولا تدجينها، ولذلك لا يُسمح لها بالعمل أصلاً.
وخلاصة الأمر إن حزب التحرير يُحارَب ليس لأنه خالف نظاماً بعينه، بل لأنه رفض الأنظمة الوضعية كلها، وليس لأنه طالب بامتيازات، بل لأنه رفض الاعتراف بشرعية ما هو قائم، وليس لأنه دعا إلى الفوضى، بل لأنه دعا إلى تغييرٍ مبدئي يعيد تعريف السياسة والسلطة والشرعية من أساسها. ومن هنا نفهم أن المعركة مع حزب التحرير ليست معركة أمنية ولا قانونية، بل حرب فكرية وحضارية، وأن شدّة الهجوم عليه لن تقضي عليه ولن تخيف شبابه أو تفت في عضدهم، بل تكشف عن خوف خصومه من الفكرة العظيمة التي يحملها، والدولة التي يسعى لإقامتها، والتي ستغير مجرى التاريخ كما فعلت دولة الإسلام الأولى التي أقامها رسول الله ﷺ، إنها دولة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة؛ لهذا يقف العالم كله في وجه حزب التحرير ويحاربه، ولكن النصر حليفه بإذن الله وعداً من الله، قال تبارك وتعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾، وقال عز من قائل: ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ﴾.
بقلم: الأستاذ هيثم الراجحي – ولاية اليمن






















رأيك في الموضوع